نحو برنامج جديد للديمقراطية ؟

تم نشره في الثلاثاء 10 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     من "بيان من أجل الديمقراطيـة، 1980" إلى كتابـه الجديد "الاختيار الديمقراطي في سورية، 2003"، والذي يأخذ صيغة بيان من أجل الديمقراطية في سورية، ظل برهان غليون مسكوناً بهاجس البحث عن أفضل السبل إلى الديمقراطية، وذلك انطلاقاً من أن الديمقراطية تمثل تحدياً قبل أن تكون حلاً سحرياً عجائبياً، كما نعثر عليها في خطابات المثقفين العرب، والتي تضفي على الديمقراطية هالة من السحر، وتجعل منها مفتاحاً يفتح جميع الأقفال والأبواب.

وعلى طول هذا المسار، الذي يمتد إلى ربع قرن، ظل برهان غليون عند قناعاته ومطارحاته الفكرية. فالدولة العربية هي دولة ضد الأمة (انظر كتابه "الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية"، 1993)، والحداثة العربية هي حداثة النخبة، فقد دخلت الحداثة كحليف لمجتمع النخبة (مجتمع النخبة، 1985)، ولم تكتف بذلك، بل قادت إلى "اغتيال العقل" من خلال سجالاتها العقيمة، التي جعلت من المثقفين العرب حراساً لأوهام، وشرطة لعقائد وأيديولوجيات، سعوا إلى فرضها على المجتمع العربي عنوة، وبذلك ساهموا بحق في خلق دولتهم "الدينية" الأيديولوجية، على الرغم من شعاراتهم الجوفاء عن العلمانية والدولة الوطنية، التي اختزلت إلى دولة الحزب والجماعة، أو دولة القبيلة الحزبية الجديدة، التي فاقت في مداها كل أشكال القبليات الموروثة والسابقة.

      وعلى الرغم من ضبابية مفهوم الديمقراطية لدى الجماعات (جماعات المعارضة السياسية في سورية وفي مقدمتها جماعة المجتمع المدني)، وكذلك ضبابية مفهوم المجتمع المدني، إلا أن غليون يرى أن سحر القول بالديمقراطية، الذي جعلها شعاراً من جانب قوى المعارضة، يجعل منها ضرورة تاريخية، وهذا ما يبرر فاعلية القوى السياسية السورية التي تٌجمع على شعار الديمقراطية، ويسقط بنفس الوقت، كل المبررات التي تهدف إلى تأجيل الإصلاح السياسي والديمقراطي تحت حجج واهية؛ كالقول بعدم نضج المجتمع، وأن تجربة الديمقراطية لا تناسب مجتمعاتنا، وأنها بذرة غربية لا تناسب تربتنا، وأن الأولوية للإصلاح الاقتصادي على الإصلاح السياسي... إلخ من الحجج التي تتكاثر في بلدان العالم الرابع، بحسب توصيف سمير أمين، كفطر ذري سام.

       في جوابه عن التساؤل: ما هي الديمقراطية التي نريدها لسورية؟ والذي تفرضه كثرة التبريرات التي يسوقها البعض من حراس الأوهام وشرطة العقائد، والتي تعرضنا لها آنفاً، يقوم غليون، في إطار سعيه إلى تبرير فاعلية المعارضة السورية ومشروعيتها، إلى التمييز بين ثلاثة مستويات للديمقراطية كثيراً ما يجري الخلط بينها. الأول، هو المستوى النظري، أي مستوى المفهوم في صورته المجردة، وكما تبلور حتى اليوم في الأدبيات السياسية العالمية، للتعبير عن مجموعة متباينة من النظم التي تجمعها خصائص واحدة أو مشتركة. والمستوى الثاني، هو المستوى التاريخي الواقعي، وهذا يتجاوز سابقه بالنظر إلى الديمقراطية كتجربة حية، لا مجرد مفهوم نظري، وبالتالي الالتفاف إلى مستوى التفاعل الحي بين المفهوم والواقع التاريخي. وبصورة أدق؛ كيف يتفاعل الواقع التاريخي كل مرة مع المفهوم بصورة خلاقة ومختلفة، وكيف يمكن للتحققات العينية في تجارب عديد من الأمم أن تكون بلا حدود ولا نهاية.

      أما المستوى الثالث في الخطاب الديمقراطي، فهو المستوى الايديولوجي، الذي يجعل من الديمقراطية خطاب تعبئة اجتماعية في الصراعات السياسية. وفي هذا المستوى، تكتشف جميع أشكال الرهانات على الديمقراطية، وبالأخص تلك التي ترفع شعار الديمقراطية، لإضفاء الشرعية على ممارسات سياسية، أو لتحسين ظروف معينة، أو لنيل حظوة ...الخ.

يدرك غليون أن المستويات الثلاثة السابقة للديمقراطية قد لا تكون واضحة بالنسبة لقوى المعارضة في سورية، وهذا ما يفسر، من وجهة نظره، التخبط في الممارسة، وعدم وضوح الرؤيا، وغياب بلورة حقيقية لمفهوم الديمقراطية. إلا أنه يرى أن كل ذلك لا يعيب الحركة الديمقراطية في سورية، ولا يمثل بالنسبة لها عقدة نقص، فما زال المفهوم موضع جدال ونقاش على صعيد عالمي، حتى في البلدان الأوروبية، التي باتت مقياسا ونموذجاً يحتذى في هذا المجال. فالمطالبة بالديمقراطية من قبل المعارضة السورية، تنطوي وحدها على قيمة، وهذا لا يعني، أن المطالبة بالإصلاح السياسي الديمقراطي في سورية، هي ضرب من ترف مثقفين، وأن لا أرضية لها، أو أنها دعوة في فراغ، وغيرها من التهم الجاهزة التي تقال في كل مناسبة، بحجة الخوف على مستقبل الدولة في سورية، وبخاصة في هذا الظرف الصعب، الذي كثيراً ما تم الاحتكام إليه بحجة التهرب من الاستحقاقات السياسية والديمقراطية، والتي يجمع خطاب المعارضة على أنها شرط لتجاوز المحنة والظرف الصعب، وبالتالي اللحاق بالعصر، وليس الوقوف عند مستوى المحنة والبكاء على أطلالها!

      يشدد غليون مراراً على القول بأننا نحتاج، في مجال الحديث عن الديمقراطية ومستقبل سورية الديمقراطي، إلى رؤية واضحة، يصفها بالرؤية الديمقراطية، التي تقطع مع الوصفات الديمقراطية الجاهزة، وتؤسس لحالة سورية جديدة في التجربة الديمقراطية. وهو يستدرك هنا، أن هذا لا يعني اختراع ديمقراطية من العدم، بل الاستئناس بالتجارب الديمقراطية، وليس القياس عليها أو تطبيقها. ومن هنا تأكيده على أن الديمقراطية ليست حلاً بل تحدياً، وأنها ليست وصفة بل برنامج عمل ديمقراطي، هدفه وضع حد للنظام الشمولي، وتفكيك آليات عمل هذا النظام، الذي أثبتت التجارب، كما يقول غليون، عجزه عن تحقيق الأهداف التي خطها لنفسه، وفي مقدمتها التصدي للفقر والاستغلال السياسي.

         ما يطمح إليه غليون من وراء برنامجه الديمقراطي هو ردم الهوة بين الدولة والمجتمع، التي انتهت بتدمير المجتمع العربي وليس السوري وحده، وتجييره من قبل السلطة، بحجة أن الرعاع يحتاجون دوماً إلى دولة الإكراه، التي يٌنظر لها أحد المثقفين السوريين بأنها ضرورة شرعية وتاريخية، لأن منطق السياسة الذي لا يقيم وزناً للأخلاق يقوم على الغلبة التي تتطلب إخضاع الرعية وقيادتهم إلى المرعى، وهذا هو حال "التكنولوجيا الرعوية"، التي يفضحها ميشيل فوكو، والتي قادت الأمة إلى رواق الحرب الأهلية العربية التي عرفتها معظم الأقطار العربية.

         من هنا تأكيده -أي برهان غليون- على أن البرنامج الديمقراطي هو عتبة للانتقال باتجاه عهد جديد، ولنقل معه عقد اجتماعي جديد، "لأنه يتضمن التزامات من قبل السلطة تجاه المجتمع، ويقدم للمجتمع وثيقة يستخدمها في مساءلة السلطة عن إنجازاتها ومحاسبته لها". ويضيف غليون: "من دون برنامج ليس من الممكن السير في أي اتجاه، ولا تحقيق أي تحويل أو تغيير، ولا وجود لأي فرص للمساءلة والمحاسبة والمراجعة على الإطلاق".

         أعود للقول، إنه إذا كان "بيان من أجل الديمقراطية، 1980" هو بمثابة دعوة لفتح الباب على مصراعيه لمشاركة شعبية ديمقراطية، بعد أن قامت الدولة الأصولية العلمانية العربية بإقصاء المجتمع وإعلان الحرب عليه، فإن البيان الجديد عن الديمقراطية في سورية، إن جاز التعبير، ومن خلال تأكيده على أهمية البرنامج الديمقراطي والتحول الديمقراطي المطلوب، هو بمثابة دعوة سليمة يشدد عليها غليون، بهدف إصلاح سياسي يطال الراعي والرعية، السلطة والمجتمع.

          يقول غليون: "إن التحدي الرئيسي الذي يواجهنا اليوم ليس بناء الديمقراطية كنظام كامل، ولكن بناء عملية التحول والانتقال، الطويلة حتماً، إلى الديمقراطية، وبشكل سلمي  ومختار، بشكل واع ومنظم، يحمينا من الكوارث والمطبات التي تنتظرنا، و يجنبنا الصراعات الدموية والانفجارات الداخلية والخارجية". من هنا، ثناؤه على تجربة المنتديات السورية التي تم وأدها، والتي مثلت خطوة مهمة، ونافذة كان من الممكن لها أن تسمح بهبوب رياح جديدة ونظيفة، من شأنها أن تعيد العافية إلى الجسد الاجتماعي السوري المنهك والمشلول، والمصادر من قبل من يسميهم برهان غليون بـ"الكواسر"، من أصحاب المصالح الضيقة؟

      وطريق المصالحة الوطنية هو جزء أساسي من البرنامج الديمقراطي الذي يدعو إليه غليون. فالوطن ليس غنيمة، إنما هو ساحة للفعل الجماعي، وإطار للثقة بين أبناء المجتمع الواحد، بين الحكم والمعارضة، والذي من شأنه أن يبعث روحاً وطنية جديدة، لا يمكن لأي إصلاح أو تجديد أن ينشأ بدونها، وهنا مكمن التحديات، وأهمية هذه الإجابات التي يتقدم بها غليون في حواراته، أو لنقل في بيانه الجديد عن الديمقراطية في سورية؟

التعليق