فرنسا تقول "لا" لشيراك وليس لأوروبا

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

 هناك اتفاق بين أغلب المراقبين على أن التصويت بالرفض في الاستفتاء الفرنسي المقرر إجراؤه في التاسع والعشرين من أيار، من شأنه أن يضعف إلى حد كبير من موقف ونفوذ الرئيس الفرنسي جاك شيراك داخل فرنسا وأوروبا. لكن ما أساء الكثيرون فهمه هو تأثير هذا الرفض المحتمل على الاتحاد الأوروبي.

إن التصويت بالرفض على دستور الاتحاد الأوروبي لا يعني رفضاً فرنسياً لأوروبا، كما يعتقد البعض؛ بل إنه سيكون في الواقع تصويتاً على انعدام الثقة في رئاسة شيراك. وكل ما ينتقص من قدر شيراك لا بد وأن يعد من قبيل الأنباء الطيبة لأوروبا والتكامل الأوروبي، بعد أن تسبب شيراك في إضعاف الاتحاد الأوروبي من خلال تقديم نموذج لأوروبا كدولة شركات تعتمد مذهب الحماية، وبعد أن أمر الدول الأعضاء الجديدة الأصغر حجماً بأن "تخرس" حين اختلفت معه في الرأي.

ومن هنا فإن هؤلاء الذين يتوقون إلى اتحاد أوروبي أكثر قوة وأفضل تكاملاً لابد وأن يسعوا إلى رفض فرنسي، وهم يدركون تماما الإدراك أن التصويت بالرفض في بعض الأحيان قد يعني القيام بالتصرف الصائب ولكن لأسباب خطأ.

حتى قبل استفتاء أيار، بدأت الدلائل تشير إلى أن قدرة فرنسا على قولبة الاتحاد الأوروبي، وصياغته بما يتفق ومصالحها، آخذة في الانحسار.

مؤخراً، وقع الرئيس الروماني ترايان باريسكو على اتفاقية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن أثناء الفترة التي سبقت التوقيع بادر وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنييه إلى توبيخه بدعوى افتقاره إلى "الانعكاس الأوروبي". ولكن تُـرى ما السبب؟ مما يبدو أن باريسكو يخطط لتوجيه رومانيا نحو الانحياز إلى السياسات الاقتصادية الليبرالية الأنجلوسكسونية، علاوة على رغبته في إقامة علاقات خاصة مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة بهدف تحسين الحالة الأمنية في منطقة البحر الأسود. وبدلاً من الانحناء والخضوع لإرادة فرنسا، فقد حذر الرئيس الروماني قادة فرنسا من مغبة الاستمرار في إلقاء المحاضرات على بلده.

هذا هو مستقبل أوروبا. وحتى أولئك الذين تربطهم صلات تاريخية وثيقة بفرنسا، مثل رومانيا، فقد أصبحوا الآن يقفون في وجه فرنسا، وذلك لأن شيراك ورفاقه لا يقدمون إليهم ذلك النوع من "الانعكاس الأوروبي" الذي يرغبون فيه ويحتاجون إليه.

أما هولندا التي كانت بمثابة المؤيد التقليدي لأوروبا فقد تصوت هي أيضاً برفض الدستور في استفتاء خاص بها (من المقرر إجراؤه بعد التصويت الفرنسي)، ليس فقط على سبيل الاحتجاج ضد السياسات المحافظة الأخلاقية التي تنتهجها حكومة بالكينييد، بل بهدف إعلان رفضها لأوروبا في هيئة دولة شركات تهيمن عليها المصالح الفرنسية والألمانية.

فدولة الشركات ببساطة لم تقدم لأوروبا القارية ما وعدتها به، وتبين استطلاعات الرأي أن الناخبين قد يصبون جام غضبهم على الدستور المقترح.

ولكن يخشى بعض المعلقين أن يؤدي الرفض الفرنسي إلى تعطيل توسعة الاتحاد الأوروبي وانهيار عملة اليورو.

يطرح فيليب ستيفنز في الفاينانشيال تايمز السؤال التالي: "ترى ماذا ستكون احتمالات عقد محادثات بناءة مع تركيا، أو إحراز تقدم على مسار انضمام دول البلقان إذا ما أدار جمهور الناخبين الفرنسي ظهره للاتحاد الأوروبي؟". لكن الرفض لا يعني أن جمهور الناخبين الفرنسي قد تخلى عن أوروبا. فالمجازفة الآن ليست بالتوسعة، بل بما إذا كانت هذه التوسعة ستتخذ هيئة أكثر قرباً إلى المذهب الشركاتي أو الاعتماد على السوق.

يرى ولفجانج مونشاو، من الفاينانشيال تايمز أيضاً، أن الرفض الفرنسي لدستور الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى انهيار اليورو. ويقول مونشاو: "في حالة غياب احتمالات قيام اتحاد سياسي يستند إلى معاهدة دستورية في نهاية المطاف، فإن العملة الموحدة، التي كان تبريرها صعباً على الدوام، قد يصبح الحفاظ على بقائها أكثر صعوبة... بدون عنصر السياسية، فلن يتمتع اليورو بمثل ما يتمتع به من جاذبية اليوم".

لكن الرفض الفرنسي للدستور لا يعني ضمناً انقسام الاتحاد الأوروبي سياسياً. وإذا لم يتم التصديق على الدستور، فإن اتفاقية "نيس" تصبح بمثابة الدستور النافذ المفعول للاتحاد.

وليس هناك من الأسباب على الإطلاق ما يحتم وقوع الاتحاد الأوروبي في الفوضى، وانهيار اليورو، إذا ما تم تفعيل معاهدة "نيس"، طالما لم يتسبب تفعيلها من قبل في وقوع أي فوضى.

والحقيقة أن اليورو لن يصمد للرفض الفرنسي فحسب؛ بل إنه سيزداد ازدهاراً. كما إن المبادئ الاقتصادية الليبرالية التي تعتنقها بريطانيا هي الأقرب إلى تحقيق النمو الاقتصادي والازدهار لأوروبا من تلك المبادئ الفرنسية التي تعتمد على مذهب الحماية ودولة الشركات. وتدرك الأسواق هذه الحقائق بسهولة. وعلى الرغم من تنبؤ استطلاعات الرأي بتصويت الناخبين الفرنسيين برفض الدستور، إلا أن اليورو ما زال يتمتع بقوته في أسواق العملة.

وأخيراً فإن التصويت الفرنسي بالرفض لن يساعد على تهميش دور شيراك في أوروبا فحسب، بل إن من شأنه أيضاً أن يساعد على انهيار التحالف الألماني الفرنسي الذي أضر بمصالح فرنسا، وألمانيا، وأوروبا إلى حد بعيد خلال الأعوام الأخيرة. والحقيقة أن أوروبا قد تكون على مشارف إعادة تنظيم الصفوف السياسية إذا ما صوت جمهور الناخبين الفرنسي برفض الدستور، وإذا ما حقق بلير فوزاً كبيراً في الانتخابات التي ستشهدها المملكة المتحدة قريباً. ومع سقوط شيراك وصعود بلير فقد يحل تحالف أنجلوسكسوني ألماني محل التحالف الألماني الفرنسي القائم. وإذا ما تحقق هذا فهو تقدم حقيقي بلا أدنى شك.

التعليق