الحكومة العراقية الجديدة

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

      بعد انتظار طويل ومقلق، اتفق العراقيون على من سيحكم العراق في المرحلة القادمة، من خلال توزيع المناصب السياسية التشريعية والتنفيذية، وتشكيل الحكومة العراقية بوزاراتها كافة، السيادية وغير السيادية.

    وقد شكل هذا الاتفاق والتفاعلات التي سبقته، تجربة سياسية صعبة المخاض، لكنها في النهاية نجحت واضافت للرصيد والارث السياسي العراقي الحديث. وقد انعكس ما حدث في العراق ايجابا، وبشكل ملموس نسبيا، على تحسين الصورة السيئة لمنطقتنا، التي اشتهرت عالميا بأنها تعاني حالة من التراجع الديمقراطي. حتى ان البعض ذهب إلى استنتاج ان الثقافة العربية الاسلامية لا تصلح، ولا تستطيع التعايش مع المبادئ الديمقراطية.

    العراقيون قرروا انتخاب رئيس دولة كردي، ورئيس وزراء شيعي لحكومة شملت اهم اعراق المجتمع العراقي، ورئيس جمعية وطنية سني. وهم في نفس الوقت، يؤكدون على عدم الرغبة في نظام حصص طائفي غرار ذلك اللبناني، من حيث المبدأ.

    رغبة العراقيين بعدم تبني نظام سياسي على اساس عرقي او طائفي يعكس، بأبسط صورة، درجة انتماء سياسي وطني تتجاوز الولاءات العرقية او الطائفية، كما وتعكس درجة عالية من الوعي السياسي لدى النخبة السياسية العراقية. وهذا التوجه النخبوي العراقي مؤشر، ايضا، على واقعية وتسامح سياسي، خاصة لدى التيارات السياسية الاقوى ديمغرافيا، والتي كان يمكن لها ببساطة ان تستحوذ على المناصب السياسية كافة، الامر الذي لا يمكن اعتباره غير ديمقراطي.

    العراقيون بهذا اكدوا انهم يحبذون اعتماد الكفاءة كمعيار للحكم، لا العرقية او الطائفية. وان تداول المناصب بين الفئات المشكلة للمجتمع العراقي سيفتح المجال للتفكير بمعايير الكفاءة، لا سواها. اما الانتخاب الديمقراطي السلمي لكردي عراقي رئيسا للدولة، فهو سابقة تاريخية تستحق التقدير، ولا يمكن، بحال من الاحوال، اعتباره خسارة او انتقاصا من عروبة العراق، بل هو رصيد وإرث سياسي اضيف إلى سجله. 

     في العملية السياسية التي تمخض عنها ولادة الحكومة الجديدة، تلمسنا تراجع وعكوف النفوذ الديني عن التدخل في العملية السياسية، مما يعكس رغبة في الا تكون السلطات العراقية السياسية مجرد واجهة لايدولوجيات دينية مختلفة. وهذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية العراقية الاجرائية (الانتخابية) الوليدة، ستكون في مستقبلها تعددية وليبرالية، ولن تصبح ديمقراطية الحزب الواحد او الايديولوجية الواحدة، التي من الممكن عندها أن يكون العراق مرشحا للدخول في عهد الشمولية بدلا من الديمقراطية!

     ان الايديولوجية الدينية لا زالت الاثقل سياسيا في العراق، مقارنة بالوسط او اليسار، لكن هنالك ميولا لدى المنظرين السياسيين كافة، الذين يستخدمون الدين كإطار سياسي، إلى عدم التدخل المفرط في الشأن السياسي، وتركه لمحترفي السياسة.

     الدور الاكبر الذي ينتظر من القوى الاجتماعية العراقية، وعلى رأسها القوى السياسية الدينية، هو محاورة وإقناع عموم الشعب العراقي بشرعية العملية السياسية، وضرورة انجاحها، وحتما نبذ كل مظاهر العنف السياسي، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع كوسيلة للتغير والتعبير السياسي.

      العراق عاكف الآن على بناء مؤسساته الديمقراطية المختلفة، وقريبا سيبدأ بكتابة دستور، الامر الذي سيكون اشد تعقيدا وصعوبة من تشكيل الحكومات، لانه سيتضمن صياغة العقد الذي سيؤطر توزيع المكتسبات السياسية العامة. والعراق بحاجة لتعزيز وتدعيم مكتسباته الديمقراطية، لتصبح بمؤسساتها اقوى من اية قوى تفردية او دكتاتورية.

       المرحلة التعزيزية اصعب من سابقتها واخطر، إذ ان خللا فيها سيؤدي إلى دخول العراق حالة من الفوضى الشاملة، التي هي اسوأ من الدكتاتورية. فالاولى على عكس الاخيرة لا تتميز بسيادة حالة من الامن المجتمعي، والقوى الاجتماعية والدينية هي العنصر الأهم لنجاح العراق في هذه المرحلة، وعليه فإن جل اهتمام هذه القوى يجب ان يكرس لتحقيق هذا النجاح.

التعليق