إبراهيم غرايبة

عصر المجتمعات

تم نشره في الخميس 5 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

   ثمة نموذجان في الحياة السياسية الأردنية، وهما المشهدان السياسيان اللذان تشكلا في عامي 1956 و1989. فقد أمكن للأردنيين عام 1956 إقامة حكومة حزبية منتخبة، وأمكن في عام 1989 إطلاق حالة من الحريات السياسية والإعلامية. وليس كثيرا ولا صعبا استعادة هاتين الحالتين في الحياة السياسية الأردنية، وهما تعنيان أيضا أن ثمة فرصة لتطوير الحياة السياسية والديمقراطية الأردنية، وأن تشكيل الحياة السياسية يعتمد بنسبة عالية على حالة من التوافق والرغبة والتوجهات المنسجمة مع الرغبات الجادة.

     لماذا تحققت هاتان الحالتان، ولماذا ذهبتا؟ كيف يكون الإصلاح حالة مستمرة ودائمة لا يمكن التراجع عنها؟ كيف يمكن حماية الديمقراطية من مزاجية النخب والحكومات ومصالحها؟ وكيف تتحول من هبة تمنح من فوق إلى عقد اجتماعي، ومنظومة من المصالح والعلاقات، وشبكة مجتمعية، ومرجعية حاكمة للمجتمع والدولة؟

     الديمقراطية الأردنية ما زالت فوقية تتدافع حولها النخب السياسية، وليست عقدا اجتماعيا تقوم عليه مصالح والتزامات الحكومات والمجتمعات والمؤسسات، وهذا سيجعلها فوقية خاضعة لمصالح وواقع النخب السياسية، ويعطي الحكومات والنخب فرصة تصميمها وضبطها والسيطرة عليها وتوجيهها وإجهاضها وخنقها، وفي جميع الأحوال تبقى حياة الناس والمجتمعات والطبقات المختلفة تسير كما هي، في غياب الديمقراطية وفي حضورها.

     وحتى تترسخ الديمقراطية والإصلاحات المرغوب بها فإنها تحتاج أن ترتبط بها مصالح الناس واحتياجاتهم وحقوقهم الأساسية؛ العمل والتوظيف، العطاءات والعقود، التعليم، الإسكان، الانتماء، المشاركة، الضرائب، الأجور، تنظيم المهن وتطويرها، القضايا والتجمعات العمالية، المشروعات والاستثمارات التعاونية، والنفع العام، المجتمعات في مواجهة الشركات، والمجتمعات في مواجهة السلطة ...

      فالإصلاح تنشئه منظومة اجتماعية، وشبكة من العلاقات والمصالح، والديمقراطية تترسخ وتزدهر بتنظيم المجتمعات على أساس أهدافها المباشرة والعملية، والانتخابات والتشريعات تعكس عادة المصالح والتقاليد الراسخة في المجتمع والدولة، وعندما تصدر التشريعات ضد هذه المعادلة فإنها تواجه الفشل والانهيار، وصعوبة، إن لم يكن استحالة، التطبيق.

     جرائم الشرف على سبيل المثال، لم تستطع التشريعات التغلب عليها، وتنظيم الأسرة نجح بنسبة جيدة بدون تشريعات، والانتخابات النيابية والبلدية القائمة في الأردن منذ الثلث الأخير للقرن التاسع عشر، على نحو متواصل لم يتوقف، لم تؤد إلى ديمقراطية راسخة وعريقة يصعب تجاوزها.

     لكن التحولات والتغيرات العالمية، القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقة الوسطى فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها، وتجاوز النخب والانفصال عنها. بل إن النخب نفسها في هذه المرحلة تواجه أزمة كبرى تهددها بالزوال والانقراض لصالح نخبة جديدة مختلفة. فالموارد والاستثمارات الجديدة تذهب بفئة وتأتي بأخرى، والصيانة والتحولات الجارية للنخب لا تفيدها إلا بمقدار الاستماع للتحولات، وفهم الإيقاع الجديد للمجتمعات.

     تتكون اليوم أدوات جديدة لفهم المجتمعات، واستقرارها، وتسييرها، تختلف عن السيطرة والتفاهم مع النخب والقيادات السياسية والاجتماعية ورشوتها. فالمعرفة المتاحة، والشبكية الإعلامية والمجتمعية والاقتصادية الناشئة تغير كل شيء في حياة الناس والمجتمعات والدول، على نحو ربما لا يشبهه في التاريخ سوى اكتشاف واستخدام النار، ولن تمر ثلاث سنوات أو خمس، على أقصى تقدير، حتى نشهد في بلادنا، كما في العالم كله، تحولات شاملة في التعليم والاقتصاد والإدارة والعلاقات والإعلام وتنظيم المجتمعات، تجعل المشهد القائم اليوم حالة من الماضي السحيق، يصلح فقط في حصة التاريخ.

     وهي بالمناسبة موجة لم تصنعها الولايات المتحدة، وإن كانت تحاول فهمها وتوظيفها والتكيف معها. وحتى لا نكون كمن يلعب في الوقت الضائع، أو نتهرب من مواجهة الموجة القادمة، فإننا نستطيع استباق الخسائر وتحويلها إلى مكاسب عظيمة، وما نحتاجه هو أن نبدأ فورا، قبل ضياع الزمن الغالي، بالسؤال المؤدي إلى الفهم، والاقتراب من التفاعل مع اللحظة، وما يجري في العالم حولنا ليس بعيدا عنا.

التعليق