الانسحاب السوري من لبنان..هل يُوقف الضغوط الأميركية على دمشق؟

تم نشره في الأربعاء 4 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     بانسحاب القوات السورية واستخباراتها الكامل من لبنان مع نهاية شهر نيسان 2005، تكون صفحة من تاريخ سورية الإقليمي قد طويت بالكامل. فلبنان افتتح الدور الإقليمي لسورية في عام 1976، وها هو ذاته يختتمه.

      لقد اعتبر فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع المندوب الدولي تيري لارسن، أن دمشق بانسحابها الكامل من لبنان تكون قد نفذت الشق المتعلق بها في القرار 1559، وأصبح الشق الآخر لبنانياً محضاً. وكان الكلام ذاته قد أعلنه الأسد خلال خطابه أمام مجلس الشعب في الخامس من آذار الفائت، عندما أشار صراحة إلى أن سورية تكون "بانتهاء هذا الانسحاب قد أوفت بالتزاماتها وفق الطائف، ومقتضيات القرار 1559".

       الخارجية السورية التي وقفت موقفاً سلبياً، وأحياناً تسخيفياً وصل حد وصف الشرع للقرار 1559 بأنه "قرار تافه"، عادت هي ذاتها لتعلن التزامها بتنفيذ القرار، بل وطلبت من لارسن لجنة تحقيق دولية تؤكد تنفيذها الكامل للشق المتعلق بها في القرار، وذلك خوفاً من اتخاذه ذريعة بيد أطراف دولية، تحاول من خلاله تمديد الأزمة، عبر إظهار مماطلة سورية في تنفيذ التزاماتها.

        لم يكن لهذا التحول النوعي في الموقف السوري أن يتم لولا جهود مصرية حثيثة في إقناع سورية لتأكيد التزامها بالقرار المذكور، خاصة بعد اغتيال الحريري. فقد حاولت دمشق إقناع زائريها بأن الشرق الأوسط يضم إسرائيل أيضاً، وأن هناك قرارات دولية بحقها لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ، لكن المصريين بدوا واضحين بـ"أننا نستطيع التحدث كثيراً، وكثيراً جداً عن ذلك، لكننا لن نستطيع أن نفعل شيئاً يتعلق بذلك".

       لقد نفذت دمشق الشق المتعلق بها في القرار 1559 تحت ضغطٍ دولي شديد، وصل درجة التلويح بخيارات أخرى استناداً إلى الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وبالتالي، فقد استخدمت العصي الممكنة كافة دون إظهار أية جزرة! بحيث لم يعد منطق الرئيس الراحل حافظ الأسد في المقايضة هنا واقعياً أو قابلا للتحقق أو الصرف. فالإدارة الأميركية الحالية ترى أن على دمشق تنفيذ الالتزامات المتعلقة بها فيما يتعلق بالعراق ولبنان وفلسطين، دون شكر على واجبها المنوط بها. وبنفس الوقت، تبدو دمشق مقتنعة تماماً أن الانسحاب ليس نهاية الضغوط الأميركية عليها، وأن الولايات المتحدة تنتظر إغلاق ملف الانسحاب بشكل نهائي لتفتح ملفاً آخر. بيد أن دمشق تراهن، بحسب ضماناتٍ قدمت لها، أن إنجاز ملف الانسحاب، واحترام نزاهة الانتخابات اللبنانية، من شأنه أن يحدث افتراقاً أميركياً أوروبياً فيما يتعلق بطريقة التعامل مع دمشق، أو على الأقل بطريقة تشبه التعامل مع نظيرتها طهران.

       وهنا تخطئ دمشق مرة أخرى في عدم قراءتها للمشهد الدولي في الولاية الثانية لبوش بدقة وإحاطة. فالأوروبيون يطمحون إلى إغلاق ملف الشقاق الأوروبي الأميركي، كما بدا ذلك في زيارة بوش الأخيرة لأوروبا، وعبر قبولهم، أو بالأصح ابتلاع لسانهم، فيما يتعلق بتعيين وولفويتز رئيساً للبنك الدولي، والأهم من هذا وذاك أن أوروبا لن تقايض، من أجل سورية، علاقتها مع الولايات المتحدة، وربما تتحول السياسة الأوروبية إلى عامل ضغط إضافي على دمشق، لا ينتهي إلا حين ترفع الولايات المتحدة هذه الضغوط، الأمر الذي لا يبدو أنه قريب أو ممكن. وتعليق الأوروبيين لاتفاقية الشراكة مع سورية، بحجة بند أسلحة الدمار الشامل، أولاً، ثم توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى، فتعليقه إلى حين إنجاز الانسحاب السوري الكامل من لبنان، هو أكبر دليل على التناغم الأميركي الأوروبي. ولذلك، فإن على دمشق ألا تأخذ قصة الضمانات المعطاة لها بجدية كبيرة، لا سيما أنها اختبرتها خلال فترة المفاوضات مع إسرائيل خلال عقد التسعينيات!

      يرى النظام السياسي في سورية أن الولايات المتحدة لن تنهي ضغوطها على دمشق، لكنها وبنفس الوقت، لن تخوض حرباً ضدها. فتكرار التجربة العراقية مؤلم مهما حاولت الإدارة الأميركية تجميله. ولذلك، تماطل القيادة السورية بشكلٍ غريب يعكس ارتباكها المقلق، وتراهن على الزمن أو نشوء تبدلات إقليمية جديدة، كنتيجة لدور الفاعلين الجدد على الساحة الدولية، وهم الجماعات والمنظمات الأصولية التي تخوض حرباً مفتوحة مع الولايات المتحدة. ولذلك، يرى النظام السياسي أن دوره ما زال مطلوباً لجهة ضمان الاستقرار في المنطقة، وبنفس الوقت غياب البديل الواضح له في سورية. فالمعارضة ضعيفة وأيديولوجية، وتفكر بمنطق العقيدة لا بمنطق السياسة، فضلاً عن أن سنوات الاستبداد أنهكتها بشكل أفقرها من نخبها وسياسييها، بل وحتى من خطابها.

       ومن ثم، يبدو النظام السوري مطمئناً نوعاً ما. إذ برغم الضغوط، فإن فرصة ما لتسوية الملفات لا زالت قائمة، سيما أن قراراً أوروبياً بتغيير النظام السوري لم يتخذ حتى الآن. لكن ما يجب إدراكه هو أن الولايات المتحدة تعرف تماماً مدى تمدد الأدوار أو الأشواك الإقليمية السورية في المنطقة، وإذا رأى النظام السياسي السوري أن قراراً اتخذ بتغييره فعندها سوف يستخدم أشواكه تلك لتعزيز دوره وإثبات موقعه، ولذلك تنتظر الولايات المتحدة حتى يتم نزع هذه الأشواك الإقليمية، الواحدة تلو الأخرى، بحيث يصبح النظام معزولاً تماماً، وعندها يمكن الإجهاز عليه بيسرٍ وسهولة. وثمة نظرية في العلاقات الدولية تقول بأن انحسار التمدد الإقليمي يتبعه، بالتأكيد، انحسار وضعف في الداخل، ذلك أن جزءاً من القوة الداخلية مستمدٌ من القدرة على الإيذاء في الخارج.

        بناء على ذلك، يصح القول تماماً أن قراراً أميركياً بتغيير النظام قد اتخذ، وتكرار رايس في مقابلاتها الأخيرة أنه ليس لأميركا مشكلة مع سورية، وإنما لسورية مشاكل مع جيرانها ومع العالم، دليلٌ يؤشر على ذلك. لكن الوصول إلى ذلك الهدف يتطلب المرور بمستويات متعددة سوف تلجأ إليها الولايات المتحدة. وأول هذا الخطوات وأشدها وطأة، هي ما يسمى "الدبلوماسية القذرة"، القائمة على تظهير الوجه السيئ للنظام في الخارج، عبر فتح ملف انتهاكاته لحقوق الإنسان، والفساد، وشبكات التهريب، وغير ذلك. ويبدو أن استقبال الخارجية الأميركية لمعارضين سوريين في الخارج وظيفته أن يحقق جزءا من ذلك.

        إن الولايات المتحدة، وبعد فشلها في العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق، جعلت قضية نشر الحرية في العالم العربي استراتيجيتها التي تمنع من خلال انتشار الإرهاب، وهو ما أدى إلى هذا الاهتمام الأميركي المفرط بالقضية اللبنانية. وعلى السوريين أن يقرؤوا بعناية طبيعة التحولات التكتيكية والاستراتيجية الأميركية، بل وعدم الاكتفاء بذلك. فالقراءة وحدها اليوم لم تعد تكفي، وإنما تتطلب سياسة متوائمة وواقعية، قادرة على الانعطاف بسرعة، وليس سياسة القاطرة المقطورة، التي تحتاج وقتاً طويلاً، وطويلاً جداً، حتى تتمكن من الانعطاف. وإنجاز هذا الأمر يبدأ من سياسة داخلية تقطع جذرياً مع سياسة الماضي، لا كمحض ردة الفعل على الضغوطات الخارجية، كما تكرر ذلك المعارضة السورية باستمرار، وإنما هي سياسةٌ مطلوبة لذاتها وبذاتها، لأن دور الدولة الوظيفية اليوم انتهى، وحان الوقت لبناء دولة الحق والقانون، دولة كل مواطنيها.

التعليق