اسم "مكدونيا" لايزال يثير المشاكل في البلقان

تم نشره في الأربعاء 4 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     جاء عرض فيلم "الاسكندر" في خريف 2004 ليثير من جديد المشاعر المتضاربة في البلقان، التي تنبع من ادعاء اكثر من طرف بانتماء هذا البطل الاسطورى اليه، مع ان مخرج الفيلم سكت عمدا عن اصول الاسكندر، حتى يتحاشى تهمة التحيز الى طرف ضد الاخر.

     لكن هذا الفيلم كشف بدوره عن استمرار الخلاف بين الدولتين المتجاورتين، واللتين تتقاسمان مكدونيا الجغرافية وليس التاريخية (التي لم يعد لها وجود)، أي اليونان و"جمهورية مكدونيا"، حول اسم مكدونيا، وبالتحديد حول حق "جمهورية مكدونيا"، ذات الغالبية السلافية، في استخدام هذا الاسم، الذى تعتبره اليونان من تراثها القومي الذي تعتز به.

     وكانت مكدونيا، التي بقيت حوالى 500 سنة تحت الحكم العثماني، تمثل في مطلع القرن العشرين مفهوما جغرافيا لا علاقة له بالماضي البعيد، بعد ان تغيرت فيه التركيبة السكانية. إذ كانت تتنافس على ضمها عدة دول في المنطقة، بادعاءات تاريخية وجغرافية (بلغاريا واليونان وصربيا). وفي صيف 1912 تفاهمت صربيا وبلغاريا واليونان على شن حرب ضد الدولة العثمانية لإجلائها عن مكدونيا، ثم شنت صربيا واليونان لاحقا في عام 1913 حربا ضد بلغاريا لتقاسم مكدونيا فيما بينهما.

      وفي الوقت الذي اعتبرت حكومات اليونان المتعاقبة ان سكان مكدونيا الجنوبية (الايجية) التي حصلت عليها، هم جزء لا يتجزأ من شعب اليونان، ويمثلون التواصل مع الماضي، بعد ان منعت استخدام اية لغة اخرى، ولم تعترف بأي وجود غير يوناني فيها. في المقابل، فقد عمدت حكومة يوغسلافيا الفيدرالية الى الاعتراف بوجود شعب مكدوني مستقل في مكدونيا الشمالية (الفردارية)، التي دخلت ضمن حدودها (ذات الغالبية السلافية)، وأسست هناك "جمهورية مكدونيا" في عام 1945، والتي اصبحت احدى الجمهوريات الست المكونة ليوغسلافيا الفيدرالية.

       ومع ان وجود هذه الجمهورية المجاورة لليونان لم يمنع من تطور العلاقات بين اليونان الملكية والجمهورية مع يوغسلافيا السابقة، الا ان الوضع تغير فجأة مع انهيار يوغسلافيا في عام 1991، واستقلال الجمهوريات الموجودة فيها  (سلوفينيا، وكرواتيا، والبوسنة). وهكذا، مع اعلان "جمهورية مكدونيا" عن استقلالها في ايلول 1991 اعترضت اليونان بقوة على استخدام هذا الاسم، وضغطت بشدة على دول الاتحاد الاوربي لمنع قبول هذه الدولة في الأمم المتحدة بالاسم المعلن (جمهورية مكدونيا)، على اعتبار انه من تراثها القومي. وقد انتهى الامر آنذاك الى قبول هذه الدولة باسم مؤقت هو "فيروم" (FYROM)، الاسم المختصر لـ "جمهورية مكدونيا اليوغسلافية السابقة". وقد أغلقت اليونان حدودها في عام 1993 مع جارتها الجديدة، وفرضت عليها حصارا اقتصاديا خانقا، حتى تتخلى "جمهورية مكدونيا" عن هذا الاسم.

      وهكذا، ومع ان "جمهورية مكدونيا" كانت الوحيدة التي خرجت من الاتحاد اليوغسلافي دون حرب داخلية، إلا أن فرض الحصار الاقتصادي عليها زعزع وجودها، وسبب لها الكثير من المشاكل الداخلية. ومع ان "جمهورية مكدونيا" وافقت على تعديل دستورها، بحيث لا يتضمن اية اشارة الى وجود أطماع لها في الدول المجاورة، وقامت بتعديل العلم الرسمي لها حتى لا يثير أي تشابه مع علم الاسكندر المكدوني، الا ان الامور لم تتحسن كثيرا.

      وربما كان التحسن الوحيد الذي طرأ هو تدخل الامم المتحدة لدفع الطرفين الى الدخول في مفاوضات حول الاسم (مكدونيا). لكن على الرغم من مرور عشر سنوات (1995-2005)، فإن الطرفين لا يزالان على موقفيهما. وقد كان من الاقتراحات ان يكون الاسم "جمهورية سلافومكدونيا" او "مكدونيا السلافية"، لكن ألبان "جمهورية مكدونيا"، الذين يشكلون ربع السكان، رفضوا ذلك بقوة، لأنه يشير الى طابع قومي أحادي للدولة.

     وقد دفع هذا الوضع المستعصي الامم المتحدة إلى اقتراح حل وسط، يتمثل في اضافة اسم العاصمة "سكوبيه" الى اسم الدولة "جمهورية مكدونيا/سكوبيه"، بهدف تمييزها عن اليونان.

وفي هذه المرة رحبت أثينا بهذا الاقتراح بينما رفضته سكوبيه بقوة، على أساس انه يتعارض مع الخيار الدستوري الذي اختاره شعب هذه الدولة. وربما يعود هذا الموقف المتشدد الى ان الولايات المتحدة، التي أصبحت تعتبر سكوبيه من حلفائها بعد إرسالها قوات لها الى العراق، فقد اعترفت في خريف 2004 باسم "جمهورية مكدونيا"، الذي أصبحت تعتمده في وثائقها الرسمية، رغم أن الاعتراف الأميركي لم ينعكس على الامم المتحدة التي لا تزال تعتمد "فيروم" اسما لهذه الدولة، والذي يعتبره سكانها اهانة لهم.

    لكن المراقبين في سكوبيه يرون ان اعتراف دول أخرى في مجلس الامن، مثل روسيا والصين، بهذا الاسم، بالاضافة الى عشرات الدول المؤيدة للولايات المتحدة، يقرب حل هذه المشكلة المستعصية، الذي لابد وان يكون في اطار الامم المتحدة. والمفارقة ان حوالي نصف الدول الاعضاء في المنظمة تعترف وتستخدم اسم "جمهورية مكدونيا"، لكن هذا لا يعتد به دون قرار جديد من الامم المتحدة بقبول هذا الاسم، أو اي اسم آخر يتفق عليه الطرفان.

ومع ذلك، لا تزال اليونان تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية على الاسم، وانها صاحبة الورقة القوية مع اقتراب موعد انضمام "جمهورية مكدونيا" الى الاتحاد الاوروبي. فاليونان عضو مؤسس، ولذلك فهي دائما تهدد باستخدام الفيتو ضد قبول "جمهورية مكدونيا" بهذا الاسم. ومع ان رئيس الدبلوماسية الاوروبية، خافيير سولانا، متفائل كعادته بالتوصل الى حل قريب، على اعتبار ان الاسم لا يمكن ان يؤخر او يعرقل انضمام دولة الى الاتحاد الاوروبي، الا ان كل طرف يتصرف على اساس ان الزمن يعمل لصالحه. فاليونان تعتمد على حقها في الفيتو، وهو أمر يثير الشكوك حاليا، بينما تعتمد "جمهورية مكدونيا" على اعتراف حوالى نصف الدول الاعضاء في الامم المتحدة (حوالي مئة دولة)، لتحوّل هذا الاعتراف الواقعي الى اعتراف قانوني مع مرور الزمن.

     وأخيرا، لابد من الاشارة الى انه في هذه الايام تمر الذكرى الستون لتأسيس "جمهورية مكدونيا" (1945-2005)، وبالتالي فإن هناك جيلان من السكان، يمثلان الغالبية ولايعرفان اسما آخر لدولتهم، وربما يكفي هذا لعدم حرمانهم من الحق في التعبير عما يريدون لدولتهم ان يكون اسمها.

التعليق