في هزيمة الكهنوت المدرسي والكهنوت الحزبي

تم نشره في الاثنين 2 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    في دراسة له عن "الدولة وأجهزتها الأيديولوجية"، يلجأ المفكر الفرنسي ألتوسير إلى التمييز بين جهاز الدولة القمعي وجهاز الدولة الأيديولوجي، وذلك في إطار سعيه إلى تجاوز النظرة الوصفية التي حكمت الماركسية في رؤيتها للوظيفة القمعية للدولة، والوصول إلى نظرية أشمل حول الأخيرة.

    يرى ألتوسير أن جهاز الدولة القمعي يسيطر بواسطة العنف مع قليل من الإيديولوجيا، أما جهاز الدولة الأيديولوجي فهو يسيطر بواسطة الأيديولوجيا مع قليل من القمع. فالمدرسة والكنيسة والعائلة تنشئ رعاياها بطرق لا تخلو من العقوبات، كالضرب، والطرد، والنفي، وغيرها.

     ومن وجهة نظر ألتوسير، فإن الكنيسة في المجتمعات ما قبل الرأسمالية كانت الجهاز الأيديولوجي الاول، لأنها تحتكر مجموع المؤسسات المتمايزة (التعليمية والثقافية) التي تظهر لاحقاً في المجتمعات الرأسمالية في جهاز واحد. أما في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فالمدرسة هي وارثة المؤسسة الدينية القديمة، إنها الجهاز الأيديولوجي الأول، الذي وضع في مركز مسيطر في التشكيلات الرأسمالية المعاصرة، إثر صراع طبقي سياسي أيديولوجي عنيف ضد جهاز الدولة الأيديولوجي القديم والمعاصر.

    إن المدرسة هي الموسيقى الصامتة، على حد تعبير ألتوسير. إنها تلقن الأولاد، منذ الوهلة الأولى، أصول التصرف الملتصق بالأيديولوجيا المسيطرة. ففي سنوات عديدة يكون الطفل محاصراً بين جهاز الدولة العائلة وجهاز الدولة المدرسة، وأكثر طواعية للمواد الملتصقة بالأيديولوجيا المسيطرة في حالتها الصرفة (أخلاق، وتربية مدنية، وفلسفة). وباختصار، فإن المدرسة تعلم قواعد الاحترام؛ احترام تقسيم العمل الاجتماعي التقني، أي قواعد النظام القائم تحت السيطرة الطبقية.

    أما في كتابه الموسوم "الميديولوجيا أو علم الإعلام العام"، فيؤكد ريجيس دوبريه، المفكر الفرنسي الذي يثني عليه إدوارد سعيد كثيراً (صور المثقف، 1996)، على أن المدرسة هي البنت الشرعية للتعاليم الدينية. فهي الوارث الشرعي للكنيسة، ولكل أشكال العبادة الجماعية من الكنيسة إلى الاشتراكية. ومن وجهة نظر دوبريه، فإن ثالوث كتاب - صحيفة - مدرسة هو "المروحة الوراثية" للجمهورية، كما "للحركة العمالية" التي تبعتها، وذلك انطلاقاً من أن الاشتراكية العمالية كانت كائناً للعقل، مستنتجة من الكتاب، تقودها المدرسة وتترجمها الصحيفة.

    وفي بحثه عن عازف الاوركسترا المدرسية، يقول دوبريه إن لفظة مدرس بالفرنسية (Instituteur) أدخلت إلى اللغة بمرسوم، أيام الجمعية التأسيسية عام 1794، بناء على اقتراح القس البروتستانتي رابوسان اتيان (يعلق دوبريه أنه خلف كل إصلاحات التربية وفي ظل أية جمهورية نجد بروتستانتياً جاهزاً). واعتمدت اللفظة ذاتها على أساس أنها أنبل وأهم مصطلح سياسي، إذ إنها كانت قد ترجمت من اللاتينية (Instituere Civitatem)، التي تعني "تأسيس الدولة". فمعلم القرية كان من المفترض به أن يمارس أولى السلطات المدنية، وعليه أن يؤسس في ذلك المكان، وبشكل حي، الجمهورية والأمة، وأن يكون لها في كل قرية من البلاد الدعامة الحية.

    أعود للتساؤل: إذا كان المدرس هو الممثل الحي للجمهورية والأمة، فما هو سر هزيمته؟ ريجيس دوبريه يكتب لنا تاريخ هزيمته وهزيمة الجمهورية والاشتراكية معاً. يقول أنه في العام 1889 أصبح المدرس موظفاً في الدولة، وفي العام 1989 شطب من تسميات وزارة التربية. يقال: معلم مدرسة ابتدائية. كذلك لم نعد نتكلم في قمة الجمهورية عن الجمهورية، وإنما عن الديمقراطية، والتغييرات في التعابير ليست أبداً بلا قيمة. ففي عام 1974 لم تعد "وطنية" وزارة التربية الوطنية، بينما ذكرت النقابة الوطنية السابقة للمدرسين، في عام 1979، وبمناسبة زيادة حالات الانتحار عند المعلمين، بأن "التعليم هو إحدى المهن التي بلغت فيها حالات الانهيار العصبي رقماً قياسياً".

     من وجهة نظر دوبريه، فإن هزيمة "المروحة الوراثية"، أي الكتاب والصحيفة والمدرسة، هي بمثابة نتيجة للتحول الذي طال تاريخ البشرية، وأدى إلى انتقالها من عصر المجال الخطي إلى عصر المجال التلفازي، حيث الصورة هي الوسيط الإعلامي الساخن الذي دشن هزيمة الكهنوت المدرسي والكهنوت الحزبي على السواء، واللذين ظهرا معاً وزالا معاً.

    فالبلاغة الالكترونية تتأسس على حساب البلاغة اللغوية الآمرة التي تعلمها المدرسة، والتي يعزف أوركستراها المعلم بصورة أدق، على حساب البلاغة الأيديولوجية، والتي لا تزال تنتشر في ما يسميها سمير أمين بدول العالم الرابع وبصورة مشوهة، بحيث تساهم في تشويه أجيال لا حصر لها عن طريق ما يسمى بالكهنوت الحزبي.

    أعود للقول، أنه إذا كان المدرس والحزبي والمثقف هم بامتياز الأبطال الحقيقيون لعصر المجال الخطي، أو لنقل لعصر "المروحة الوراثية"، فإن هزيمتهم في عصر الصورة الالكترونية تدشن لولادة أبطال جدد لا يمثلون الجمهورية، بل هم الناطقون الرسميون باسم عصر جديد، ولنقل باسم العولمة المذمومة عربياً. وهؤلاء، وكما يحددهم الأميركي بنجامين باربر، مدير مركز والت وايتمان للثقافة والسياسة الديمقراطية في جامعة روجرز، هم طيارو الخطوط الجوية التجارية، ومبرمجو الكمبيوتر، والمخرجون السينمائيون، وأصحاب المصارف العالمية، ومشاهير السياسة والغناء، واختصاصيو البيئة، وأثرياء النفط، والاحصائيون، والمحاسبون، والمحامون، ونجوم الرياضة. فكل هؤلاء، كما يرى باربر باتو، يشكلون فئة جديدة من الرجال والنساء، يرون في الدين والثقافة والانتماء العرقي عناصر هامشية. فهويتهم هي قبل كل شيء في انتمائهم المهني (لوموند ديبلوماتيك، أب 1998).

     أعود مرة ثانية لأقول أنه إذا كانت المدرسة التي أنجبت المربي والمثقف المؤدلج معاً، هي بمثابة الموسيقى الصامتة كما يرى ألتوسير، فإن هذه الموسيقى لم تعد تسمع، لأن أغاني مادونا ومايكل جاكسون باتت، وكما يرى مؤلفا "فخ العولمة"، هي الأذان الجديد للنظام العالمي الجديد، الذي ينشد عطشاً للزعيق ما بعده عطش. وبالتالي، فإن ترقيعات ألتوسير الماركسية لم تعد تجدي نفعاً. فقد كان "التمركس"، كما يرى دوبريه، هو التحول الأقصى لمحو أمية العالم المسيحي أو الكونفوشيوسي الأمي، وأن التخلص من الماركسية هو النتيجة الأولى لإشاعة الالكترونية في العالم الشرقي المتعلم.

    من وجهة نظر مؤلفي "فخ العولمة"، فإن ستالين هزم أمام ميكي ماوس، أما دوبريه فهو يرى أن هيرتزـ بيل (Hertz- Bell) قد قتلا "ماركس - لينين". فالحزب الواحد لم يكن ليتلاءم مع الهاتف، أما الشعاع الهرتزي الذي يتعدى الحدود، فقد أزال نهائياً البقية الباقية بعد أن سهر القمر الصناعي على الجنازة. وبهذا كتب لنا عصر المجال التلفازي هزيمة المربي والإيديولوجي معاًَ، المثقف والحزبي، الكهنوت المدرسي والكهنوت الحزبي! إنها وجهة نظر جديرة بالتأمل.

كاتب سوري

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أغاني (omar)

    الاثنين 6 شباط / فبراير 2006.
    اطالب بمجموعةمن اغاني الفنان حسين السلمان ومجموعةمن الاغاني الشعبيةاردنية مع جزيل الشكر