إبراهيم غرايبة

الفساد الحاضر الغائب

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

   بدأ موضوع الفساد يحتل أهمية متزايدة في الدراسات والبرامج الإصلاحية الوطنية والإقليمية والدولية باعتباره المدخل الأساس للإصلاح السياسي والتنمية خلافا لحالة كانت سائدة لفترة طويلة لدى الحركات السياسية والمعارضات العربية، والمواقف الدولية والإقليمية أيضا، ترى الفساد قضية ثانوية ستحل تلقائيا، ثم تبين أن الفساد مؤسسة عملاقة عبقرية متمكنة، تستطيع أن تستوعب الديمقراطية والأسلمة والثورية واللبرلة والاشتراكية واقتصاد السوق والعولمة والتقدم والتخلف، وتتكيف مع جميع الظروف والتقلبات.

    وربما يقع في هذا السياق الندوة الكبرى التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي بالإسكندرية عن "الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية" والتي عقدت في أيلول 2004، والتي صدرت في كتاب ضخم، ولعلها الأولى من نوعها في الوطن العربي، وعلى هذا المستوى من المشاركة الواسعة للأكاديميين والخبراء.

    الإصلاح والاستبداد يقومان على منظومة من المصالح التي يتعاقد الناس عليها، وبدون مصالح يتجمع الناس لتحقيقها لن تكون هناك عدالة أو استبداد أو حرية أو تخلف أو تنمية، فالمسألة هي أولا وأخيرا صراع وتحالف المصالح، مصالح المجتمع ومصالح النخب الحاكمة والمتنفذة، المصالح الخاصة والمصالح العامة، مصالح الفقراء ومصالح الأغنياء، مصالح الطبقات والفئات المختلفة المكونة للمجتمع والدولة.

     وكان من الإعاقات الكبرى التي أصابت البرامج والأفكار الإصلاحية النظر إلى الديمقراطية والحريات باعتبارها فقط قيمة فكرية وأخلاقية وأيدولوجية، فقد جعلها ذلك زينة غير ضارة تستخدمها جميع الاتجاهات والمواقع والمواقف السياسية والفكرية والأيدولوجية، وبدلا من أن تتحول إلى قاعدة لتجمع الناس وتنظيم مصالحهم وعلاقاتهم فقد تحولت إلى هواية تشبه جمع الزهور البرية أو الطوابع البريدية منفصلة عن الديناميكيات الحقيقية التي تحرك المجتمعات والدول والاقتصاد والمقاولات والعطاءات والتوظيف والتعليم والعمل العام.

      ينصرف الذهن تلقائيا عند الحديث عن الفساد إلى قضايا مثل دفع الرشوة و العمولة المباشرة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات، وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات، ووضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي القطاع العام والخاص، ولكن هذا النوع من الفساد يمكن تسميته بالفساد الصغير وهو مختلف تماما عما يمكن تسميته بالفساد الكبير المرتبط بالصفقات الكبرى في عالم المقاولات، وتجارة السلاح والحصول على التوكيلات التجارية للشركـات الدوليـة الكبرى المتعـددة الجنسيات، وتقترب اقتصاديات الفساد في هذه المجالات والمواقع من مائة ألف مليون دولار حسب تقرير البنك الدولي.

     هذا "الفساد الكبير" يحدث عادة على المستويين السياسي والبيروقراطي، مع ملاحظة أن الأول يمكن أن يكون مستقلا بدرجة أو بأخرى عن الثاني أو يمكن أن تكون بينهما درجة عالية من التداخل والتشابك، إذ عادة ما يرتبط الفساد السياسي بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا إلى أدوات للإثراء الشخصي المتصاعد.

هل تكون الديمقراطية وسيلة لمكافحة الفساد؟

      تعتقد كثير من التجمعات وبخاصة الجديدة الناشئة في مرحلة الموجة العالمية للإصلاح أن الديمقراطية هي الحل لكل مشكلات التخلف والفساد والفقر والبطالة والترهل الإداري وضعف الخدمات الأساسية، والواقع أنها ليست حلا تلقائيا، فالفساد يتكيف مع الديمقراطية والاستبداد، فالديمقراطية آلية حكم تعتمد مخرجاتها ونتائجها على كفاءة الاستخدام ونوعية المدخلات أيضا، من قرارات جيدة، وخطط مدروسة، وبرامج عملية، فضلا عن أن الفساد مشكلة معقدة سياسية، اقتصادية، أخلاقية.

      الانتخابات على سبيل المثال، والتي تمثل رمز الديمقراطية في كل الدول يسهل الالتفاف عليها وإفساد سلطة البرلمان الرقابية بخطوات استباقية تهدف إلى التحكم في تشكيل رجال هذه السلطة، فيمكن مثلا إغراق العملية الانتخابية وإرباكها بالترشيح لغرض تشتيت الأصوات لصالح مرشح، وتمويل بعض المرشحين للانتخابات لتحقيق تفاهمات وتنازلات وتشريعات، وفي كل هذه الحالات يلعب المال دورا أساسيا في شراء الأصوات أو في دعم الحملة الانتخابية، وهذا أمر ملاحظ حتى في الديمقراطيات الغربية العريقة.

      وربما يقع على كاهل المجتمع العبء الأكبر في مكافحة الفساد لأنه صاحب المصلحة الحقيقية في ذلك، ويصلح أن يكون مرجعية وسلطة رقابية على جميع السلطات والمؤسسات، ويمكن في مرحلة العولمة والشبكية إنشاء شبكة عالمية من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالحريات وحقوق الإنسان ومناهضة الفساد، والداعية إلى الحكم الصالح، ويمكن لهذه الشبكات أن تعمل بوسائلها الخاصة على محاصرة الفساد ورصده والتشهير به، وأن تجمع وتنشر التفصيلات اليومية المتعلقة بالفساد، وأن تنسق مع المؤسسات الدولية الرسمية كالأمم المتحدة.

       وتقوم المنظمات الدولية المعنية من خلال خبرائها أو عن طريق تكليف هيئات بحثية متخصصة، بإجراء عدد كبير من البحوث والدراسات المتعلقة بأبعاد ظاهرة الفساد ومقومات الحكم الصالح، كل في مجال تخصصه، أو الإشراف عليها أو تمويلها، وهي تصلح مادة ومصدرا للمجتمعات والمنظمات والصحف للتأهيل في مجال مكافحة الفساد، لأنها عملية تتطلب خبرة ومعلومات واسعة، كما أنها عملية مواجهة مع جهات ومؤسسات متمكنة وتتمتع بخبرة ونفوذ وإمكانيات واسعة.

      ويمكن التمييز في هذا الصدد بين نوعين من البحوث والدراسات، أولها تلك التي تجريها المنظمات الدولية، بناء على طلب الدول الأعضاء لدعم جهود هذه الأخيرة في مجال مكافحة الفساد، وتحسين أداء مؤسساتها المحلية في هذا المجال، وتشكل هذه البحوث نماذج من دراسات الحالة أو الدراسة الميدانية التي تغني المعارف النظرية العامة عن الظاهرة موضوع البحث من ناحية وتساعد من ناحية أخرى على التشخيص الدقيق للواقع واقتراح حلول عملية وواقعية تتناسب مع حجم وطبيعة المشكلات القائمة.

       والنوع الثاني يتمثل في البحوث والدراسات العامة التي تجريها المنظمات الدولية كل في إطار سلطاتها وصلاحياتها العامة للاضطلاع بالوظائف المنوطة بها. وعادة ما تشمل هذه الدراسات والبحوث قضايا نظرية ومنهجية تتعلق بتأصيل المفاهيم والمصطلحات المستخدمة، وتحديد العوامل والمتغيرات الرئيسية والفرعية ومناهج ومعايير وأدوات قياس هذه العوامل والمتغيرات، وتسهم المنظمات الدولية بقسط كبير من هذه الدراسات لاسيما المتعلقة بتحديد مؤشرات قياس الفساد.

        إضافة إلى ذلك تشمل أيضا دراسات وبحوثا تتعلق بإستراتيجيات وسياسات وبرامج المنظمات المعنية نفسها في مجال مكافحة الفساد والترويج للحكم الصالح، كل في نطاق تخصصه.

التعليق