اثنتان وعشرون منظمة إرهابية في أميركا

تم نشره في الأربعاء 27 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

    يندر بالفعل ان يخرج تقرير رسمي او شبه رسمي حول الداخل الاميركي في وضعه الراهن تحت ادارة جورج دبليو بوش إلا ويسبب احراجاً شديداً لهذه الإدارة، التي اختصت بارتكاب الأخطاء واطلاق المقولات المغلوطة، ليس بحق العرب والمسلمين أو العالم عموماً فحسب، وانما أيضا بالنسبة الى حال الولايات المتحدة الاميركية نفسها ومصالحها.

    ويؤكد ما تقدم كل التقارير التي تصدر عن العجز في الموازنة، والمتراكم بوتائر عالية منذ أربع سنوات. أو التقارير المتعلقة بهجمات 11 أيلول 2001، أو أسباب الحرب (العدوان) على العراق، أو ما ارتكبته قوات الاحتلال الاميركي في العراق. كما التقارير المتعلقة بالبيئة وحال الحريات وملاحقة الصحفيين، وحتى المحامين داخل اميركا نفسها. فهذه التقارير سددت ضربات تلو الضربات على رأس هذه الإدارة، وتسببت لها بإحراجات شديدة.

    فعلى صعيد الأمثلة الحديثة جداً، كشف تقرير سري لمكتب التحقيقات الفيدرالي (اف. بي. اي) عن وجود 22 منظمة إرهابية محلية، بعضها نازي النزعة، من حيث ايمانه بتفوق "العرق الأبيض" الانجلو-سكسوني.

    وقدمت شبكة "اي.بي.سي" (ABC) الاخبارية مساء 18 نيسان الماضي استعراضا، مستقى من التقرير المذكور، لاثنتين وعشرين منظمة ارهابية ناشطة في الولايات المتحدة، من بينها تنظيمات عنصرية مثل "اريان نيشنس"، و"ناشونال الاينس". اما مصادر دخلها فآتية من الحفلات الموسيقية، وانتاج الاسطوانات وغير ذلك. وأكثرها راح يستخدم اسم تيموثي ماكفاي باعتباره "بطلاً قومياً" و"شهيداً وطنياً". وماكفاي هذا (33 سنة) أعدم في 11 حزيران 2001. وقد رفض الاعتذار أو اعلان ندمه من أجل تخفيف الحكم عنه، بعد اعترافه بنسف مبنى للمخابرات في اوكلاهوما سيتي، أسفر عن مقتل 168 شخصاً في 19/4/1995.

    هذا وأحصى تقرير الـ"اف. بي. اي" 338 قضية يجري التحقيق فيها مع عدد من تلك المنظمات، تتضمن اتهامات بتنفيذ اعتداءات بالقنابل، وارسال خطابات تهديد وما شابه (الحياة في 20/4/2005).

     لابد لمن يقرأ هذا التقرير، غير اليتيم، ان يقول لإدارة بوش: "قبل أن تقلعي الشوكة التي في عين غيرك اقلعي الوتد الذي في عينك". فهذه الإدارة بعد هجمات 11 ايلول الارهابية في واشنطن ونيويورك، حملت العصا الغليظة ضد الدول والمجتمعات العربية والاسلامية باعتبارهما (الدول والمجتمعات) منبعاً للارهاب، وأنه يجب ان يصار الى استباحتهما والتدخل في شؤونهما الداخلية، تحت الادعاء بضرورة اعادة صوغها من جديد من اجل اجتثاث الارهاب من جذوره. طبعا ليس هذا هو الهدف الحقيقي وراء هذه الحملة، ولكن هذا ما تزعمه ادارة بوش. ومن ثم، لا بد من مساجلتها حتى من هذه الزاوية.

    بداية، اذا كانت الدول والمجتمعات العربية والاسلامية منبعاً ومولداً للارهاب انطلاقاً من بناها وعقليتها وايديولوجيتها وسياساتها، فظاهرة الارهاب المعنية لا يزيد عمرها على عشر سنوات تقريبا؛ أي هي حديثة العهد جداً، وهو ما ينسف الموضوعات التي تذهب في البحث عن "جذور الارهاب" في الأنظمة والمجتمعات العربية والاسلامية. لأنها لو صحت لوجب ان تكون التنظيمات الارهابية بالعشرات، ومنتشرة وناشطة منذ عشرات السنين، كما هو الحال مع التنظيمات الارهابية الاميركية ذات التاريخ العريق، والذي يعود الى عهد التأسيس، من قبيل التنظيمات التي تشكلت لمطاردة العبيد الهاربين، مثل "الكوكلاس كلان"، أو أقرانها من تنظيمات الجريمة المنظمة التي استخدمت لأغراض سياسية واجتماعية، والمثال الصارخ عليها الدور الذي لعبته المافيا في تصفية القادة العماليين في النقابات العمالية في الولايات المتحدة، لاسيما في عشرينيات القرن الماضي.

    ومن هنا، اذا كان هنالك من جذر معرفي للبحث داخل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية للارهاب في الدول والمجتمعات، فإن الأولوية يجب ان تعطى للولايات المتحدة نفسها، بسبب تاريخية الظاهرة فيها وامتدادها المتواصل بلا تقطع.

    وبالمناسبة، هذه حقيقة لا ينكرها إلا من لم يتابع اخبار منظمات الإرهاب والجريمة المنظمة، ومنسوب العنف الداخلي في الولايات المتحدة راهنا وماضيا.طبعا هذه الحقيقة يجب ألا تعامل باعتبارها الوجه الرئيسي للصورة، بالرغم من بروزها الصارخ، ذلك ان في المجتمع الاميركي وجوها أخرى مناقضة لها، تستحق الاحترام والاهتمام.

    لكن ما العمل مع هذا الطغيان الاميركي الذي تمارسه إدارة بوش ضد دولنا ومجتمعاتنا، عندما تعتبر ان جذور الإرهاب ومنابعه كامنة في البنى السياسية والاجتماعية والفكرية، وذلك لابعاد مسؤولية ما جرى ويجري من ظلم اسرائيلي اميركي في فلسطين وضد العرب والمسلمين عموماً في اطلاق الانحرافات الإرهابية، والتي تظل محدودة جداً قياساً للانحرافات الارهابية تاريخياً في الولايات المتحدة نفسها!

     اذا كان لا بد من البحث في مصادر انحرافات التطرف حين يتحول الى فعل ينطبق عليه وصف "ارهابي"، فيجب التركيز على المظالم السياسية والاقتصادية والثقافية الآتية من الخارج، وفي مقدمتها ما جرى ويجري في فلسطين، وما قدمه من دعم للاستبداد والفساد، وما يصدر عنه من سياسات تمس كرامة الانسان العربي والمسلم قبل ان تمس حقوقه ومصالحه.

    ولعل من يدقق في إشكالية مس الكرامة الاسلامية والعروبية والوطنية والانسانية للفرد العربي والمسلم سيجدها مصدراً لتوليد الغضب الشعبي والنخبوي العام، الأمر الذي يسمح بافراز الانحراف تطرفا وإرهابا، وبما لا يقاس من العوامل التي يتلهى بها بعض محللي الظاهرة، حين يركزون على مناهج التعليم، أو الفقر، أو نشر الديمقراطية. فالظاهرة الارهابية نابعة من بعض أطراف النخبة، وليس من مستنقعات الفقر والمرض، أو مقاعد الدراسة أو الافتقار للديمقراطية (والمثال الاميركي صارخ هنا). علماً أن ثمة تفاوتا في الدوافع بين نخبة وأخرى.

    وبكلمة، فإن على الذين يتعاطفون مع إدارة بوش من سياسيين ونخب، ان يقولوا لها ان تفتش "ثيابها جيداً" قبل ان تخترع أسبابا للتدخل في دولنا ومجتمعاتنا، ينجم عنها الدمار والفوضى والفتن. والأمثلة كثيرة، وأقربها فلسطين والعراق.

التعليق