هكذا تحل المشاكل بين الدول

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

    ليس مسموحاً ان تلعب أي دولة من دول المنطقة أدواراً تفوق حجمها. قد تكون تلك الرسالة الأهم التي يسعى العالم، وعلى رأسه الولايات المتحدة، الى توجيهها هذه الأيام. انها رسالة تفرض على كل دولة في الشرق الأوسط، مهما كانت تعتبر نفسها كبيرة، الانصراف الى معالجة مشاكلها الداخلية، والاهتمام بشؤونها بعيداً عن المزايدات والكلام الفارغ الذي لا يؤدي الى نتائج تذكر، باستثناء استحضار المشاكل لهذه الدولة او تلك على طريقة ما حصل مع النظام البعث العائلي في العراق الذي جلب الكوارث على العراقيين والعرب.

    هل مَن يريد الاستفادة من التجارب التي مر فيها الشرق الأوسط عموماً والعرب على وجه التحديد؟ هل من يريد ان يتذكر ما حصل في العام 1967 وكيف خسر العرب الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ولماذا حصل ذلك؟ هل من يريد ان يتذكر ان العراق كان يمكن ان يكون دولة مزدهرة لولا مغامرات صدام حسين؟ هل من يريد ان يتذكر الوعود التي اطلقتها الثورة الإيرانية بعد انتصارها، وعلى رأسها ان الثورة ستجعل إيران بلداً يمتلك اقتصاداً لا يعتمد على النفط، فإذا بإيران تعتمد اليوم على النفط أكثر من أي وقت؟

    ثمة من يريد ان يكون على تماس مع ما يدور في العالم، وثمة من يريد البقاء أسير الشعارات التي يطلقها، فينتهي بأنه الطرف الوحيد الذي يصدق هذه الشعارات. وعندما يكتشف انها مجرد أوهام، يلقي مسؤولية الكوارث التي تحل ببلده على الآخرين.

    بكلام أوضح، لا مفر من مواجهة الواقع. الواقع كما هو وليس كما يحب بعض العرب تصوره. ومن حسن الحظ ان هناك زعماء في المنطقة على استعداد للتعاطي مع الواقع كما هو، ومعالجة المشاكل التي تواجه بلدانهم بغية ايجاد حلول حقيقية. بين هؤلاء الزعماء الملك عبدالله الثاني، الذي وجد أخيراً ان هناك ازمة بين الأردن والعراق فعمل على تفكيكها، والسعي الى ايجاد مخرج بدل البقاء في اسر الاتهامات المتبادلة التي لا تقدم ولا تؤخر، وكان مطلوباً من الأردن الوقوع في فخ الاتهامات المتبادلة خدمة للطرف أو الأطراف التي سعت إلى تأجيج الأزمة بينه وبين العراق.

    ما حصل بكل بساطة ان مجموعة من الصحافيين العراقيين زارت الأردن والتقت الملك. وخرج الصحافيون بانطباع فحواه ان لا حقيقة للاتهامات التي وجهتها بعض الأوساط العراقية الى الأردن. على العكس من ذلك، استطاعت السلطات الأردنية ان تظهر بالملموس ان حدود المملكة هي الوحيدة تقريباً المغلقة بإحكام في وجه تسلل الإرهابيين، وان المملكة تقف بصلابة مع خيارات الشعب العراقي، هذا الشعب الذي تحدى الإرهاب والإرهابيين ليتوجه الى صناديق الاقتراع في 30 كانون الثاني الماضي، وينتخب مجلساً وطنياً ستكون مهمته الأولى صياغة دستور للبلد.

    بهذه الطريقة الحضارية تحل المشاكل بين الدول، وبهذه الطريقة تأخذ كل مشكلة حجمها الحقيقي. أكثر من ذلك، بهذه الطريقة تأخذ المشاكل المطروحة في العراق المنحى الذي يعكس حقيقة هذه المشاكل وطبيعتها، والتي يمكن تلخيصها بأنه بعد عامين على سقوط نظام صدام حسين مازال البلد يبحث عن هويته، التي يمكن أن يجدها في التحول إلى بلد ديمقراطي حقيقة. يشجع على ذلك تولي السيد جلال طالباني رئاسة الجمهورية، في خطوة يمكن وصفها بأنها حضارية بكل معنى الكلمة، نظرا إلى الظلم التاريخي الذي لحق بأكراد العراق.

لكن التحولات العراقية لا تزال في بدايتها، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار ان مسائل كثيرة لم تحسم بعد، وعلى رأسها مدى النفوذ الايراني في البلد، وعلى الأصح، هل ستنجح ايران، التي كانت القوة الاقليمية الوحيدة التي دعمت عملياً الحرب الأميركية على العراق، في الاستفادة من اسقاط نظام صدام حسين الذي كان لديها ثأر تاريخي معه؟ أم ان اسقاط النظام العراقي سيؤدي إلى انعكاسات عليها تحول دون تحقيقها المكاسب المرجوة؟ لا شك ان على رأس المكاسب التي كان النظام الايراني يأمل في تحقيقها هو تحول العراق الى دولة شيعية على نحو ما حصل في ايران، علما ان شيعة العراق في معظمهم يختلفون عن شيعة ايران. ذلك ان هناك فارقا بين العربي والفارسي، اضافة إلى انه لا يمكن شطب السنة العرب من المعادلة العراقية، مثلما انه لا يمكن تجاهل الطموحات الكردية حتى لو كان جلال طالباني من بين أكثر الشخصيات الكردية العراقية قربا إلى طهران.

    لا يزال العراق يبحث عن هويته، لكن ذلك لم يحل دون بدء ظهور انعكاسات للحدث العراقي على ايران، والدليل على ذلك ما تشهده منطقة الاحواز (عربستان للعرب وخوزستان للايرانيين) حيث الأكثرية عربية. فعلى الرغم من أن تلك المنطقة الايرانية الواقعة على الضفة الاخرى من شط العرب وقفت ضد الغزو العراقي لايران عام 1980، إلا ان أهلها يعانون منذ فترة طويلة من ظلم شديد، وليس مستغربا ان يأتي تحركهم هذه الايام للتذكير بأن لدى ايران مشاكل مع أقلياتها لا تقل عن المشاكل التي يعاني منها العراق، وان تركيبتها لا تسمح لها في المدى الطويل بأن تلعب في المنطقة أدوارا تفوق حجمها وتتجاوزه.

     عاجلاً أم آجلاً ستضطر ايران بدورها إلى الانكفاء على نفسها والبحث عن حلول لمشاكلها الداخلية، خصوصا تلك المتعلقة بتطلعات الشباب الايراني التي لا علاقة لها بمبادئ جمهورية الخميني وشعاراتها.

    وعاجلاً أم آجلاً سيتبين ان الطرح الأردني في شأن الأخطار التي تحدق بالمنطقة كان في محله، وان الملك عبدالله الثاني امتلك شجاعة وصراحة وصدقا عندما تحدث عن هذه الاخطار من منظار سياسي، بعيدا كل البعد عن الطائفية والمذهبية، وهو ما بدأ يفهمه العراقيون عموما. والمقصود بالعراقيين هنا، العراقيون الصادقون الغيورون على العراق، وليس على النفوذ الإيراني في العراق. هؤلاء يدركون ان مصلحتهم تلتقي مع الأردن، لا لشيء سوى لأن الأردن حريص على وحدة العراق أولا، وحريص على كل ما هو عربي في العراق من دون أي افتئات أو انتقاص من حقوق الأكراد أو التركمان أو أبناء أي قومية اخرى. انه حريص خصوصا على تحول العراق إلى بلد ديمقراطي يتساوى فيه مواطنوه في الحقوق والواجبات، ويكون عنصرا من عناصر الاستقرار الاقليمي.

لماذا؟ لأن الأردن يختلف عن غيره في المنطقة. فهو لا يخشى الديمقراطية ولا اعطاء المواطن كل حقوقه، وهذا ما يفسر في أحيان كثيرة، الحملات البائسة التي يشنها عليه المتاجرون بالعروبة والوطنية والدين، أولئك الذين يعتبرون الديمقراطية كفرا ويتصورون أن حصول المواطن على حقوقه الطبيعية انتقاص من سطوة النظام على هذا المواطن!

التعليق