أسئلة تمويلية عصيبة بشأن قروض التنمية الميسرة

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

يواجه المجتمع الدولي تحدياً هائلاً يتمثل في السعي إلى تحقيق أهداف تنمية الألفية بحلول عام 2015، وهناك اتفاق واسع الانتشار على أن التوصل إلى هذه الغاية يتطلب المزيد من المساعدات الخارجية الإضافية. ومن هذا المنطلق فإن المسألة الآن لا تكمن في تقرير ما إذا كان علينا أن نزيد المعونات، بل في التوصل إلى أفضل كيفية لتمويل هذه الزيادة.


قادنا البحث عن تمويل إضافي أكثر استقراراً بغرض الوفاء بأهداف تنمية الألفية إلى مقترحات متنوعة بشأن آليات "مبتكرة" للتمويل والإعفاء من الديون، وعلى وجه الخصوص من قِـبَل مستشار الخزانة البريطاني جوردون براون.

لكن النطاق الواسع للخطط المقترحة لدعم موارد مساعدات التنمية يطرح أسئلة بشأن التوازن الملائم بين الاحتياجات المستهدفة والتمويل السليم الذي يتسم بالفعالية.


ويتعين على الجهات المانحة والمتلقية للمعونات أن تعمل على ضمان الاتساق بين التمويل وطاقات الاستيعاب. كما يتعين عليها أيضاً أن تحرص على ألا يؤدي التمويل الرسمي الإضافي والإعفاء من الديون إلى انحراف البواعث والحوافز أو الوقوع في مخاطر أخلاقية. ولابد أن يتم توجيه التمويل الجديد إلى الدول ذات الأداء الطيب، وليس فقط إلى الدول التي تعاني من نكبة الديون وأعبائها.


فضلاً عن هذه القضايا، فلابد من مناقشة مقترحات تمويل أهداف تنمية الألفية من منظور محافظي البنوك المركزية.

ومن بين أفضل الحلول زيادة مساهمات الدول الغنية في مجال المساعدات الخارجية على نحو ملموس، علاوة على وضع خطط أكثر طموحاً فيما يتصل بتحرير التجارة العالمية.

 لكن مثل هذه الحلول تبدو صعبة المنال على المستوى السياسي في الأمد القصير، حتى مع أن التوصل إلى خاتمة لائقة لجولة محادثات التجارة الحالية تحت رعاية منظمة التجارة العالمية من شأنه ـ وفقاً لتقديرات البنك الدولي ـ أن يؤدي إلى توفير حوالي 350 ملياراً من الدولارات سنوياً للدول النامية حتى عام 2015.


وعلى نحو مشابه، فحين يتعلق الأمر بزيادة ميزانيات المعونات الخارجية، يسعى الساسة إلى إيجاد حلول لا يشعر بها دافعو الضرائب (أو الناخبون بتعبير أكثر دقة) وتظل منفصلة عن الميزانيات الوطنية. لكن الحلول المبهمة المصممة بحيث تتجنب المواجهة مع الرأي العام الميال إلى الانتقاد لا تبدو من الديمقراطية في شيء. كما قد تؤدي حلول التمويل "المبتكرة" إلى تقويض الأسس التي يستند إليها توزيع المسؤوليات المتصلة بجمع واستغلال المال العام.
والحقيقة أن مصطلح "آليات تمويل مبتكرة" يستحضر إلى الذه

ن فكرة وجود وسيلة سهلة للوفاء بأهداف تنمية الألفية. لكننا في واقع الأمر لن نجد سوى ثلاث وسائل لتأمين التمويل الإضافي اللازم لمساعدات التنمية أو الإعفاء من الديون، وهي: زيادة الضرائب، أو زيادة المديونية (وهو ما يعني زيادة الضرائب التي ستفرض على الأجيال القادمة)، و/أو التضخم النقدي.


يدعو أحد المقترحات إلى فرض الضرائب على صفقات التمويل الوطنية والدولية.

وينادي آخرون بتخصيص حقوق سحب خاصة من صندوق النقد الدولي، أو باستغلال موارد صندوق النقد الدولي من الذهب. لكن أياً من هذه المقترحات لا يحظى بأي قدر من الجاذبية.


ذلك أننا إذا كنا نتحرى العمل الفعّال فإن أي ضرائب تفرض على صفقات التمويل لابد أن يتم تحصيلها على نطاق عالمي، وهو ما لا يبدو واقعياً في الوقت الحاضر.

 وعلاوة على ذلك فإن فرض الضرائب من شأنه أن يزيد من التكاليف (التي سيتم تحويلها إلى المقترضين) ويقلل من حجم صفقات التمويل، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تفاقم حالة التقلب التي تعاني منها الأسواق بسبب تناقص السيولة النقدية.


أما منح حقوق سحب خاصة جديدة فهو حل غير ملائم أيضاً. ذلك أن حقوق السحب الخاصة تمثل في المقام الأول السيولة النقدية، ولا يمكن تخصيصها إلا في حالة وجود "حاجة عالمية"، وهو ما يصعب إثباته الآن نظراً للسيولة النقدية العالية و"سهولة" الشروط التي تتعامل بها أسواق رأس المال العالمية.


وحتى إذا ما سلمنا بوجود "حاجة عالمية"، فإن حقوق السحب الخاصة، باعتبارها من العناصر المكونة للاحتياطي الرسمي للدول من العملات الصعبة، لا ينبغي أن تكون متاحة للإنفاق على الميزانية.

كما أن تمويل مساعدات التنمية باستخدام حقوق السحب الخاصة ـ أو حتى إحلال مثل هذه المخصصات محل المساعدات الممولة بواسطة الميزانية ـ لا يختلف عن تمويل العجز في الميزانية باستخدام نقود البنك المركزي.


وفي كل الأحوال، فإن تخصيص حقوق سحب خاصة جديدة يتطلب الحصول على تأييد 85% على الأقل من أصوات مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يبدو بعيد المنال في المستقبل القريب، نظراً لمعارضة كبار حملة الأسهم.

 وحتى الحالة الخاصة الوحيدة التي شهدت الموافقة على إصدار حقوق سحب خاصة في عام 1997 بغرض ضمان حصول كافة أعضاء صندوق النقد الدولي على حصص "متساوية" من مخصصات حقوق السحب الخاصة المتراكمة، فلم يتم تفعيلها حتى الآن نظراً للمعارضة الشديدة.


وفي النهاية، فإن اقتراح "الاستخدام الأمثل" لممتلكات صندوق النقد الدولي من الذهب لتمويل تكاليف الإعفاء من الديون يتطلب جمع ثمانية مليارات من الدولارات.

وبسعر السوق الحالي فإن هذا يعني بيع حوالي ربع ممتلكات صندوق النقد الدولي من الذهب، والتي تبلغ 103.4 مليون أونصة من الذهب الخالص. لكن هذه الاحتياطيات تمثل أصلاً "مستتراً" على قدر كبير من الأهمية لدعم موازنة الصندوق. كما يرى دائنو صندوق النقد الدولي أن هذا الأصل ضروري لاتقاء المجازفات المتزايدة المتمثلة في مَـحَافظ الائتمان التابعة للصندوق.


يرجع هذا إلى تعرض موارد صندوق النقد الدولي إلى استغلال مكثف ومطول لموارده من قِـبَل قِـلة من الدول ذات الاقتصاد الضخم خلال العقد الماضي. هذا فضلاً عن حصة صندوق النقد الدولي في إجمالي الدين الخارجي للدول التي تعاني من أزمات اقتصادية، والذي بلغ مستويات غير مسبوقة يصعب حلها على المستوى البنيوي.


ونتيجة لهذين السببين فقد تراكم قدر ضخم من الأرصدة الدائنة على قِـلة من الجهات المقترضة الضخمة. وإن استخدام الذهب الذي يمتلكه صندوق النقد الدولي بغرض إعفاء المزيد من الجهات المقترضة من الديون في مواجهة الخطر المتزايد، يشكل تهديداً للسلامة المالية للصندوق ويتعارض مع القرارات الأخيرة الرامية إلى زيادة الموازنات الوقائية لصندوق النقد الدولي.


لابد من تمويل مساعدات التنمية من "أصول حقيقية" أو بأسلوب شريف، وليس من خلال إنفاق نقود البنك المركزي أو تهديد السلامة المالية لصندوق النقد الدولي. ومن الأفضل أن يتم تمويل المساعدات من الميزانيات الوطنية للدول المانحة على نحو يتسم بالشفافية والمسئولية الديمقراطية. ولا ينبغي أن يأتي تعبير "مبتكرة" كقناع لأساليب ملتوية وغير مجدية وفاسدة.


يورجين ستارك نائب رئيس البنك الفيدرالي الألماني.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.
www.project-syndicate.org
 ترجمة: هند علي      Translated by: Hend Ali

التعليق