ما الذي تستطيع سورية فعله في لبنان؟

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

بعد ايام، اي في 30 نيسان الجاري، يدخل لبنان مرحلة جديدة من تاريخه الحديث حين يخرج من ارضه آخر جندي سوري بثيابه العسكرية، في حين قد يبقى في البلد بعض رجال الاجهزة الامنية، اي رجال المخابرات.

في استطاعة النظام في سورية التصرف من منطلق ان الانسحاب من لبنان نعمة، وذلك على الرغم من انه فرض عليه فرضاً، وذلك وفق منطق: عسى أن تكرهوا شيئاً...

في حال اختارت سورية هذه الطريق، يمكن التكهن من الآن ان دمشق بدأت تستوعب المتغيرات الاقليمية التي تفرض عليها، وقبل كل شيء، السعي الى الحد من خسائرها، لعل ذلك يساعدها يوماً في تحسين علاقاتها مع محيطها كما مع العالم المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية، القوة العظمى الوحيدة، والتي يضاف اليها الاتحاد الاوروبي الذي دخل في خصام جدي مع دمشق، خصوصاً منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

 اما لماذا يمكن اعتبار الانسحاب منه نعمة، فان ذلك عائد الى ان هذه الخطوة يمكن ان تسمح للنظام السوري بالاهتمام بالمشاكل الحقيقية التي يعاني منها البلد على كل صعيد بدءاً بالاقتصاد وانتهاء بالسياسة. وكان الانصراف عن هذه المشاكل من بين الاسباب التي ادت الى ارتكاب هذه الكمية الكبيرة من الاخطاء في اقصر مدة ممكنة من الزمن. انها اخطاء سمحت بصدور القرار 1559 ثم القرار 1595، الذي تشكلت بموجبه لجنة تحقيق دولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي لجنة لا بد ان تصل يوماً الى الحقيقة التي ستكشف من هم القتلة والمسهلون والمخططون للجريمة البشعة، التي يمكن وصفها بأنها من اخطر الجرائم التي شهدها عالمنا العربي.

ما يمكن ان يحمل سورية على التصرف بطريقة عقلانية بعد انسحابها من لبنان ان الوضع في البلد الجار لم يعد يتحمل السياسات التقليدية المتبعة سابقاً. وبكلام اوضح، فإن لبنان لا يمكن ان يكون ورقة سورية كما في الماضي، ومن مصلحة سورية الا تعتبره كذلك بعدما صارت انظار العالم مركزة عليها وعلى تصرفاتها وعلى كل ما تفعله. وفي حال لم تأخذ دمشق بهذه النصيحة، واصرت على اعتبار لبنان مجرد "ساحة" تمارس من خلالها ضغوطا على هذا الطرف او ذاك، لن يكون مستغربا ان يأتي يوم ترتد فيه الورقة اللبنانية عليها.

لماذا هذا الكلام؟ لسبب في غاية البساطة، وهو ان جميع اللبنانيين يدركون انه كان على سورية التفكير في الانسحاب جدياً من لبنان بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب تنفيذاً للقرار 425، وهو انسحاب نفذه رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ايهود باراك في ايار من العام 2000، بعدما ادرجه في البرنامج الذي انتخب على اساسه. وكان كل ما فعله باراك انه التزم بالبرنامج الذي اوصله الى رئاسة الوزراء على حساب بنيامين نتنياهو.

منذ الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، وسورية لا تتوقف عن ارتكاب الاخطاء، بدءاً بافتعال قضية مزارع شبعا المحتلة منذ عام 1967 والتي ينطبق عليها القرار 242، وانتهاء بتمديد ولاية الرئيس اميل لحود الذي جر عليها القرار الرقم 1559، واجبرها على سحب قواتها من لبنان. وتوجت هذه الاخطاء بجريمة اغتيال الرئيس الحريري. صحيح انه لا يمكن اتهام سورية مباشرة بأنها وراء الجريمة، الا ان الصحيح ايضاً انه لا يمكن تجاهل ان الجريمة حصلت في وقت كانت تمسك فيه سورية بكل المفاصل الامنية والسياسية في البلد، بما يجر عليها مسؤولية اقل ما يمكن ان توصف به انها ذات طابع معنوي.

تخطئ سورية اذا كانت تعتقد انها تستطيع تحريك الامور في لبنان كما كانت تفعل في الماضي، وذلك على الرغم من ان الذي يظن انه لن يعود لها نفوذ في البلد بمجرد انسحابها منه هو شخص جاهل فعلاً. ان سورية ستحتفظ بنفوذ في لبنان حتى لو كانت خارجه، وكلما ابتعدت عن اساليبها القديمة  كان نفوذها اكبر،وساعد ذلك في التئام الجرح العميق الذي خلفه اغتيال رفيق الحريري ،خصوصاً لدى اهل السنة في لبنان. والاكيد ان العمل على تأجيل الانتخابات النيابية، كما يحصل حالياً، لن يساعد على التئام الجرح. كل ما في الامر ان ثمة حاجة الى الاعتراف بالواقع الجديد، المتمثل في ان اهل السنة في لبنان اتخذوا موقفاً واضحاً مؤيداً للمعارضة اللبنانية، وذلك جراء خطأ في الحسابات ارتكبه الذين كانوا وراء اغتيال رفيق الحريري.

هؤلاء حسبوا ان الاغتيال سيحرم اهل السنة من زعيمهم، وسيحرم اللبنانيين من زعيم وطني يمتلك امكانات ضخمة وعلاقات عربية ودولية واسعة، الامر الذي سيسهل على السلطة ومن يقف خلفها السيطرة على العملية الانتخابية وتجييرها في اتجاه معين. هذا هو الخطأ القاتل الذي ارتكبه قتلة الحريري، وهو خطأ جعل اهل السنة في لبنان، الذين يستطيعون تحويل اي انتخابات لمصلحة المعارضة، يتمسكون بموقفهم الداعي الى كشف الحقيقة كل الحقيقة في شأن كل ما له علاقة بالجريمة.

ان لعبة تأجيل الانتخابات في لبنان ليست لعبة لمصلحة سورية ولا لمصلحة الحكم اللبناني. على العكس من ذلك، ان تسهيل الانتخابات مدخل لفتح صفحة جديدة في لبنان، صفحة لمصلحة سورية ولمصلحة اللبنانيين في آن، صفحة تؤدي الى استعادة لبنان حياته السياسية الطبيعية بعيداً عن حكم الاجهزة في وقت تستطيع سورية الانصراف الى معالجة مشاكلها الداخلية والتفكير في كيفية التصالح مجدداً مع العالمين العربي والغربي وحتى مع من تعتبرهم حلفاءها مثل الصين وروسيا.

ان ما يشهده لبنان حالياً فصل اخير من ازمة يبدو انه سيكون قادراً على الخروج منها من اجل استعادة وضعه ودوره الاقليمي. اما سورية فان الخيار امامها واضح. انه بين استخدام الوضع اللبناني كرافعة للخروج من الازمة التي يعاني منها نظامها او ارتكاب مزيد من الاخطاء التي لن يستفيد منها سوى يتامى اجهزتها في لبنان. اولئك اليتامى الذين لم يقدموا لها يوماً نصيحة صادقة تعود بالخير عليها او على لبنان.

التعليق