حكومة نجيب ميقاتي: تعديلات على "السياسة" في لبنان

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

يبدو أن نجيب ميقاتي اضطر لدفع ثمن باهظ من مستقبله السياسي نظير صعوده المؤقت إلى رئاسة الحكومة اللبنانية، فيما يمكن عدّه تجاوزاً للآليات التقليدية في اختيار "أصحاب الدولة" في لبنان، الذين تتوزعهم عادة عائلات بعينها كما هو معلوم. فهذا الرجل الطرابلسي، الذي لا ينتمي لعائلات لبنان المعروفة سياسياً مثل كرامي والصلح وسلام، تعهد بعدم الترشح للانتخابات التي يفترض أن تشرف حكومته على إجرائها بعد أسابيع قليلة، بمعنى أنه وضع حداً لحياته السياسية بعد انتهاء "رئاسته" المؤقتة بطبيعة الحال، ذلك أنه لن يكون ممكنا له بعدها المشاركة حتى في الحكومة باعتباره صار في صفوف الرؤساء.

هذه بالطبع إحدى تبعات الديمقراطية غير المؤسسة على المساواة في لبنان، والتي تأخذ الشكل الطائفي، وعلى قاعدة تقاسم الحصص. فإما أن يأتي الرئيس/ الزعيم من عائلة تتوارث الزعامة، وإما أن يأتي هو بما لم يأت به الأولون، مثلما كان حال المرحوم رفيق الحريري، الذي صنع ما لم يصنعه غيره عبر اتفاق الطائف الشهير. وكما هو مفهوم، فإن أياً من الطريقين لا تنطبق على الرئيس الجديد نجيب ميقاتي، ما فرض عليه أن يدفع "الثمن"!

على أية حال فإن ما هو أكثر أهمية من ذلك في اختيار ميقاتي لتشكيل حكومة الإشراف على الانتخابات، هو ما يحمله الحدث من تعديل على استراتيجية المعارضة اللبنانية في تعاطيها مع السلطة القائمة. فالمعارضة دخلت "اللعبة"، على حد تعبير وليد جنبلاط من باريس، لدرجة أنها هي التي رجحت كفة ميقاتي على منافسه الذي يفترض أنه ينتمي لمعسكره نفسه، الوزير عبد الرحيم مراد، وهمها في ذلك الوصول إلى قلب الموازين داخل مجلس النواب. فلسبب ما، تعتقد المعارضة أنها ستربح الانتخابات بالتأكيد لو جرت في موعدها، وفي هذه الحالة فإن "اللعبة" بالنسبة للمعارضة ليست إلا ضمان إجراء الانتخابات، خاصة في ظل تحقق الانسحاب العسكري السوري، وليست إقالة قادة الأجهزة الأمنية ولا المسائل المتعلقة مباشرة بالتحقيق في اغتيال الحريري، رغم أن كلاً من المعارضة والرئيس ميقاتي لا يزالان يتناولان الموضوعين في تصريحاتهما.

في المعسكر الآخر، يعتبر اعتذار كرامي، ثم تكليف نجيب ميقاتي، بمثابة الانتكاسة لوحدة وتضامن "الموالاة". فقد ترافق اعتذار كرامي ليس فقط مع انسحابه من "عين التينة"، وإنما مع ما هو أكثر "إثارة"، فسليمان فرنجية، وزير الداخلية الماروني، تجاوز في نقده للرئيس إميل لحود حدود العتب والخلاف السياسي، إذ قال انه لن يشارك في أية حكومة ما دام لحود في قصر بعبدا، ما يؤشر على انكسار وحدة "الموالاة" من جهة، وانشقاق الجناح الماروني المحسوب عليها من جهة ثانية. هذا إضافة إلى أن فرنجية زاد على ذلك، وأذن لنفسه التحدث باسم حزب الله، متهماً لحود أنه خدعه، هو والحزب! ثم إن تكليف ميقاتي عوضاً عن عبد الرحيم مراد الذي دعمه أغلب نواب "الموالاة"، والذي كان من المرجح أن يعمل على تعطيل إجراء الانتخابات وتأجيلها إلى فترة لاحقة، دليل آخر على انشقاق معسكر "الموالاة"، وقبول بعض نوابه التوافق مع نواب المعارضة على اسم الرئيس الجديد، وبالتالي على برنامجه المعلن، على حساب تمسكهم بوقف غالبية نواب "الموالاة".

هكذا إذن، وعلى جميع المستويات، فإن صعود نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة، بتأييد من المعارضة وفي ظل خلافات في معسكر الموالاة، إنما يؤشر على حدوث تعديلات هامة في الساحة السياسية اللبنانية، قد تؤذن بتراجع حالة الاحتقان التي شهدتها منذ اغتيال رفيق الحريري قبل نحو شهرين، كما قد تفتح الطريق لتجاوز "حالة الأزمة" القائمة في لبنان منذ التجديد للرئيس إميل لحود. غير أن الموقف كله لا يزال يبعث على القلق بسبب الأصابع الخارجية التي تنوي، أو بدأت فعلاً، العبث في الواقع اللبناني، ما يدعو للاستمرار في حبس الأنفاس وتمني الخلاص للبنان والسلام للبنانيين، وهو تمنٍ لم نكن لنحتاجه لو تُرك أمر لبنان للبنانيين وحدهم، يتوافقون عليه دون تدخلات من الخارج. أما شكل المستقبل اللبناني فإن الأسابيع القادمة هي على الأغلب التي ستحدده وتبين طبيعته.

التعليق