الإعلام الاسرائيلي والبالونات السياسية الاختبارية

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

يشاع كثيرا ان الإعلام في اسرائيل يحظى بحرية من دون أي سيطرة او توجيه "فوقي" له، ولكن خلال فحص عميق لمضامين هذا الاعلام، نجده في القضايا المركزية والحساسة بالنسبة لاسرائيل، إعلاماً مجنّداً وموجهاً لما يسمى بـ "مصلحة اسرائيل" ككيان وفكر، وهذا على الرغم من اننا نرى، بين الحين والآخر، تقارير صحفية واعلامية تتناقض مع الخط السياسي الآني لهذه الحكومة او تلك، ولكن في الجوهر يبقى هذا الإعلام في المجمل العام اعلاماً موجّهاً.

ولا شك ان هذا الموضوع واسع جدا، ولكننا في هذه المعالجة نتطرق فقط لما حدث في الاسابيع الثلاثة الأخيرة، التي تعطي نموذجا لنهج شبه عام، وهو ما يتعلق بكل ما نشر حول زيارة رئيس الحكومة آرييل شارون الى واشنطن، قبلها وبعدها، بنشر انباء في الصباح ونفيها في المساء، بحيث لا يمكن لنا بعد الانتهاء من "موسم" زيارة شارون الى واشنطن، إلا ان نخلص إلى اننا كنا امام حقل اختبارات سياسية اسرائيلية.

فقبل الزيارة المذكورة بأكثر من عشرة ايام، بدأ الاعلام الاسرائيلي يتحدث بقوة عن "خلافات" اسرائيلية امريكية، حتى بات المشهد وكأن شارون مقبل على انفجار في العلاقات بينه وبين الرئيس الامريكي جورج بوش، وكان لهذه الانباء اساس، كون ان مسؤولين في الادارة الامريكية، ومن بينهم السفير الامريكي في تل ابيب دان كريتسر، اعترضوا على مشاريع الاستيطان الجديدة في الضفة الغربية، وإن كان هذا الاعتراض في غاية "اللطف".

ولكن فجأة انقلب الاعلام الاسرائيلي، ولا يمكن ان يكون ذلك مجرد صدفة. لقد حدث هذا "الانقلاب" بعد يوم واحد من عودة كبير مستشاري شارون، المحامي دوف فايسغلاس، من واشنطن بعد الانتهاء من محادثات تمهيدية لزيارة شارون. إذ بدأ الحديث عن "لقاء ودي" مرتقب بين شارون وبوش، وان الأخير لن يجاهر شارون "بالخلافات بينهما".

وفي كل يوم كان الاعلام الاسرائيلي يفتح "ملفا ساخنا"، سيضعه شارون على طاولة بوش. بداية كان الحديث عن ان شارون "خاب امله" في الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وانه سيقنع بوش بـ "خيبة الامل" هذه. ثم جرى الحديث عن "الملف الايراني النووي". وبعد ذلك عدنا للحديث عن "الخلافات حول الاستيطان. وفي كل ملف من هذه الملفات كنا نشهد حملة اعلامية واسعة، كان الهدف الاساسي منها الابتعاد عما يجري ميدانيا، وعما يجب ان يطرح في لقاء كهذا، وما إذا كان قد بحث اصلا عن مخرج نحو مستقبل افضل.

ولكن البالونات الاختبارية الاسرائيلية لم تتوقف عند التحضير للزيارة، بل استمرت خلالها، وبشكل خاص بعدها. فـ "المقربون" من شارون، وهي الصفة التي اتخذها غالبية الصحفيين لاسناد معلوماتهم لجهة مسؤولة، ملؤوا وسائل الاعلام الاسرائيلية بما كان يسمعه شارون "همسا" وفي "الجلسات المغلقة"، وكل هذا في اطار "التسريب"، إن كان عن دول عربية معينة أو عن الملف الايراني، وحتى فيما يتعلق بالملف الفلسطيني.

ووصلت ذروة هذه "التسريبات" بنشر الصحفي شمعون شيفر، يوم الجمعة الأخير، مقالا قال فيه إن شارون بات يخطط لخطة فصل ثانية احادية الجانب في الضفة الغربية، ولكن بيت القصيد لم يكن في امكانية اجراء انسحابات من مستوطنات "صغيرة ونائية" في الضفة، وانما في الجملة المكملة لهذه الحكاية، وهي ان شارون يريدها مرة أخرى، "احادية الجانب، لأنه لا يوجد شريك فلسطيني". فشارون بنى كل سياسته في السنوات الاربع الاخيرة على حكاية "عدم وجود شريك فلسطيني". وطبعا في هذه المرّة، كما كان سابقا، فقد سارع مكتب شارون الى نفي خبر وجود نيّة لانسحابات أخرى، علما ان الصحفي الذي نشر الخبر واسنده الى اقرب المقربين من شارون، معروف عنه انه مصدر اعلامي، وهو ليس بحاجة الى نشر اخبار "صفراء" ليسجل لنفسه نقاطا، وبالتالي فهو إما انه قد قرر المشاركة في اللعبة، او انه سقط في شرك البالونات الاختبارية الشارونية.

في كل هذه "الخبطات" الاعلامية اراد شارون نشر عدة رسائل، أولاها موجهة للرأي العام في اسرائيل، وهي انه لا يزال على تنسيق تام مع الرئيس بوش، وبنفس الوقت فإنه قادر على ان يكون "مستقلا" بقراره، مثل حكاية الخلاف حول توسيع الاستيطان. فقد اظهر الاعلام الاسرائيلي شارون حازما بقراره، ولم يتراجع امام الموقف الامريكي الرسمي.

أما الرسالة الثانية فقد وجهها شارون للأسرة الدولية، التي إن فكرت مرّة أخرى انها بصدد ممارسة ضغوط على اسرائيل فعليها ان تعلم ان الولايات المتحدة تقف لها بالمرصاد، وان الأمور لا تزال على حالها، واسرائيل الآن منشغلة بأمر واحد ووحيد وهو اخلاء مستوطنات قطاع غزة، "ولن يكون أي انسحاب آخر في المستقبل المنظور"، كما جاء في بيان شارون في نهاية الاسبوع.

أما الرسالة الثالثة فكانت موجهة للقيادة الفلسطينية، التي "يهددها" شارون فيها "بمصير" مطابق للقيادة السابقة. وكان الاعلام الاسرائيلي، بشكل مباشر وغير مباشر، الوسيلة الاساسية لنشر هذه الرسائل.

التعليق