مجتمعات في مواجهة الشركات العملاقة المهيمنة

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

تعمل (لجنة العمل الوطنية)، وهي منظمة غربية غير حكومية، على مراقبة الممارسات المتعلقة بالأجور والإستراتيجيات التجارية للشركات العالمية الكبرى.

وورد في أحد تقاريرها عن شركة (والت ديزني) أنها تنتج بيجامات وألبسة أطفال في جزيرة هاييتي، ويتقاضى مدير الشركة (ميشال آيزنز) عشرة آلاف ضعف العامل الواحد في الشركة الذي يتقاضى أقل من دولار واحد يومياً! وفي أحد أفلام الشركة المخصص للألعاب البهلوانية للكلاب، كانت الكلاب تعيش في ظروف بالغة الترف مقابل بؤس مبالغ فيه للعمال الذين كانوا يقومون بخدمة هذه الكلاب وتدفئتها وتغذيتها والترفيه عنها.

وهذا مثال واحد من مئات الأمثلة لحالة العولمة الرأسمالية الشركاتية القائمة اليوم، والتي تكرس فروقا هائلة خرافية بين فئتين: إحداهما تعاني من ثراء فاحش، والأخرى تعاني من فقر مدقع.

فالسوق العالمية اليوم تقوم على داروينية اجتماعية لا تلقي بالا للفقراء والمحتاجين والمجتمعات، فالعملية هي تنافس في غابة لا ترحم ولا مكان فيها للتعامل الأخلاقي، وهي بالمناسبة حالة تهدد جميع المجتمعات بما في ذلك الغربية الراعية للاقتصاد الشركاتي المعولم والمهيمن، فأنظمة الرفاه الاجتماعي والضمان والتقاعد والتأمين الصحي والادخار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا والولايات المتحدة باتت مهددة على نحو لا يختلف كثيرا عن التهديد والمعاناة القائمة في العالم الثالث.

في عام 1997 ألغى مدير إيستمان كوداك 20 ألف وظيفة دفعة واحدة، وكوفئ هذا المدير بأسهم في الشركة قيمتها 60 مليون دولار. ونظم سانفورد رويال رئيس شركة (ترافلس) عملية اندماج شركته مع الشركة المنافسة (ستي كروب) عام 1998، وأدى ذلك إلى تسريح عشرات الآلاف من العاملين في الشركتين، وقد منح مدير الشركة على هذا الإنجاز مكافأة تبلغ قيمتها 230 مليون دولار.

ولم تقف عمليات النهب المنظمة التي تقوم بها النخبة المهيمنة على الشركات العالمية على دماء وعرق العمال والمجتمعات، بل تعدتها إلى الشركات نفسها والشركاء، فقد تبين مثلا أن رئيس شركة الطيران السويسرية والمديرين المحيطين به قد وضعوا في عقودهم شرطا يحميهم من المسؤولية المالية بسبب سوء إدارة الشركة، وقد قبض (ماريو كورتي) آخر رئيس للشركة مبلغ 12 مليوناً و500 ألف فرنك سويسري كمكافأة له عن خمس سنوات تالية لموعد إعلان إفلاس الشركة. وقد وضع هذا الشرط الذي يمنحه المكافأة وهو يعلم أنها مقدمة على الإفلاس، وذلك في الوقت الذي لم يتمكن آلاف العاملين في الشركة من قبض رواتبهم وتعويضاتهم القانونية عن سنوات خدمتهم الطويلة في الشركة.

وحصل رئيس شركة (إنرون)، وهي واحدة كانت من أقوى عشر شركات في الولايات المتحدة، وقد مولت الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي جورج بوش الابن، على تعويضات نهاية الخدمة قيمتها 205 ملايين دولار.

لقد حصلت هذه الشركة بعد انتخاب بوش على تسهيلات خرافية في الحصول على عقود نفطية حول العالم، وفي إجراءات محاسبة، وتدقيق، غير شفافة، ويبدو أنها أفلست على نحو افتعالي وسياسي لأغراض النهب والتستر، بعدما دمرت ونهبت مدخرات مئات الآلاف من العمال الذين استثمرت مدخراتهم في الشركة.

وفي مجمل نتائج الخصخصة التي أجريت في سويسرا البلد المشهور بمستوى خدماته العامة، أقفلت مكاتب بريدية في القرى، وانخفضت بنسبة كبيرة مراكز بيع تذاكر القطارات.

ويقدر البنك الدولي حجم الفساد بمبلغ 80 مليار دولار تقوم عليه الشركات العملاقة لتمرير صفقات وعقود حول العالم وشراء ذمم المسؤولين السياسيين في العالم الثالث.

وفي تقرير للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أُعدَّ عام 2000 بعنوان (الجدل المؤسسي حول التجارة الدولية والاستثمار الدولي والمالية الدولية) جاء فيه أن منظمة التجارة العالمية بكاملها واقعة تحت نفوذ الشركات الخاصة العابرة للقارات.

تبدو تطبيقات التجارة الدولية اليوم في حالات مرعبة لا تظهرها تقارير الاستيراد والتصدير، فقطع السجاد الحريري الفاخرة وغالية الثمن والمعروضة في شارع الشانزليزيه في باريس والتي استوردت من باكستان، نسجها أطفال دون الخامسة عشرة من عمرهم بأجور زهيدة، وأدى عملهم المرهق إلى فقدان بصرهم.

والبضائع والمنتوجات الصينية التي تملأ أسواق العالم تخفي انتهاكات وحشية بحق السجناء والعمال الفقراء وأبناء الأقليات المضطهدين الذين عملوا بالسخرة في السجون أو معسكرات للعمل لا تختلف عن السجون.

وفي صندوق النقد الدولي ثمة ديمقراطية من نوع خاص، فلكل دولة من الدول الـ183 عدد من الأصوات بقدر مساهمتها في الصندوق، وتملك الولايات المتحدة 17 بالمائة من حقوق التصويت في الصندوق.

يقوم الصندوق إلى حد ما بدور الإطفاء، ولكن في بعض الحالات يشعل الحرائق ليتقدم لإطفائها. ومن بين تلك المصائب التي تسبب بها الإطفائيون مشعلو الحرائق في صندوق النقد تلك التي حصلت في أميركا اللاتينية، وكان أكثرها حدة أزمة الأرجنتين.

كان مجموع ديون أميركا اللاتينية يساوي 60 مليار دولار، وأصبح عام 1980 يساوي 206 مليارات، وزاد بعد عشر سنوات إلى 443 مليارا، ويقارب اليوم 750 ملياراً. واضطرت دول أميركا اللاتينية إلى تخصيص 30 - 35 بالمائة من قيمة صادراتها لإطفاء الديون.

 وفي المقابل ظهرت في موجة العولمة الرأسمالية المصممة للهيمنة والاستنزاف والنهب شبكة عالمية مضادة من المنظمات غير الحكومية والاجتماعية، فقد شارك حوالي ربع مليون متظاهر احتجاجا أمام اجتماع الثمانية الكبار (G8) في جنوا بإيطاليا في تموز 2001، ويمثلون ألف حركة شعبية ومنظمة ونقابة منتشرة في 82 بلداً. وتظاهر أكثر من 600 ألف شخص في البرازيل أمام المنتدى الاجتماعي العالمي أوائل عام 2002، وكانوا يمثلون القارات الخمس وتنتظمهم ألفا حركة شعبية ونقابية.

يتكون المجتمع العالمي الجديد من مجموعات وجبهات عدة من المنظمات العمالية والنقابية، والحركات الفلاحية، والمنظمات النسائية، والمجتمعات المحلية والمجموعات السكانية المختلفة مثل الهنود الحمر، والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية، مثل (أتاك) التي تهدف إلى استقطاع ضرائب على الصفقات المالية بهدف مساعدة المواطنين، وهي شبكة من الجمعيات واللجان والمكاتب والمؤسسات المتخصصة والداعمة، ومنظمة يوبيل 2000، المنظمة المسيحية التي تناضل لإلغاء الديون الخارجية على الدول الفقيرة، جمعت 17 مليون توقيع على عريضة مطالبتها، ومنتدى الفقراء في تايلندا وهي منظمة الفلاحين التي تضم في عضويتها حوالي نصف مليون شخص، وشبكة العالم الثالث في ماليزيا التي تنسق بين المنظمات النضالية المختلفة، بالإضافة إلى منظمات متخصصة بالأطفال والغذاء والإغاثة، وغير ذلك. وتتعاون مع هذه الشبكة منظمات دولية وإقليمية ووطنية لا تتحالف معها مباشرة، مثل منظمة العفو الدولية.

التعليق