أيمن الصفدي

الطريق إلى الإصلاح

تم نشره في الجمعة 15 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

لا تشير نتائج الاستطلاع المحدود الذي نشرته "الغد" في عددها أمس إلى مفاجآت فيما يتعلق بأولويات المواطن الاردني. فغالبية الأردنيين (63.5%)، حسب الاستطلاع، يريدون من حكومة الدكتور عدنان بدران أن تجعل الإصلاح الاقتصادي أولويتها الرئيسية, ويعني ذلك فرص عمل جديدة، وانخفاضاً بنسب الفقر، وتكافؤاً في الفرص، وإعادة توزيع للثروة الوطنية؛ فتحظى المناطق المحدودة والأقل حظاً بما تستحقه من رعايةٍ، منع حرمانُها منها من إطلاق طاقات أهلها وحالَ  دون تحقيق ذاتهم. والإصلاح الاقتصادي يعني إعادة دراسة السياسات الاقتصادية وآليات تنفيذها ضمن رؤى تؤسس لإصلاح  مستدام, يتلازم مع إصلاح تشريعي يكرس المساءلة منهج عمل ويكفل أُطر مراجعةٍ واضحةٍ لمدى تنفيذ الرؤى والاستراتيجيات.


الاردنيون حسب الاستطلاع مقتنعون بالأهداف العامة التي حددتها الدولة سبيلا للإصلاح؛ لكنهم لا يثقون بآليات تنفيذها. فعندما سئلوا عن سبب تدني الإنجاز في عملية الإصلاح ردت غالبية أفراد العينة ذلك إلى خلل في آليات التنفيذ, في حين اعتبر (32.6 % ) أن تدني الإنجاز سببه ضعف الطواقم الوزارية مقابل (19.5 %) اختلفوا مع الرؤى والاستراتيجيات المتبعة.


الرسالة هنا واضحة ومنسجمة مع استطلاعات سابقة أكدت وجود "فجوة ثقة" بين المواطنين والحكومات. وردمُ هذه الفجوة يتطلب عملاً فاعلاً يلمسه المواطنون في محاربة الواسطة والمحسوبية، وهذا لا يتم إلا من خلال إصلاح إداري شامل يعتمد آليات تقويم فاعلة وشفافة لاداء القطاع العام, ويتخذ خطوات رادعة ضد من لا يقوم بعمله ولا يعتمد الكفاءة ونوعية الأداء معياراً للتعيين والترفيع أو العزل.
      فإدارة الموارد البشرية هي أصعب التحديات التي تواجه الحكومة في خطتها الإصلاحية, ولن تستطيع الحكومة أن تقدم جديدا في هذا المجال, وسيتعطل برنامجها الإصلاحي إذا لم تتصدّ لممارسات مغلوطة أصبحت  تمثل جزءاً كبيراً من الثقافة السائدة في الإدارة الأردنية.


    التركيز على الجانب الاقتصادي لا يعني إغفال الإصلاح السياسي. فالأولوية المتدنية التي اظهرها الاستطلاع للإصلاح السياسي لا تعني عدم اهتمام المواطنين بتحسين "البيئة السياسية" التي تشكل أساس أي إصلاح شامل. والأولوية التي حظي بها الإصلاح الاقتصادي تمثل انعكاساً لأوضاع اقتصادية صعبة. ولو سأل الاستطلاع المواطنين إذا كانوا يريدون إصلاحاً سياسياً يعتمد المساواة ويكرس مبدأ المواطنة حقوقاً وواجبات، ويزيد  مساحة حرية التعبير لأجابت الغالبية بنعم؛ فالإصلاح السياسي هو شرط نجاح برامج التنمية الاقتصادية, لكنه أسهل في الإنجاز والتحقيق؛ لأن نتائجه ترتبط  بالإرادة, في حين يرتبط الاقتصاد بموارد وإمكانيات.


حتى اللحظة اطلقت الحكومة الجديدة إشارات تعكس إدراكها لتداخل ساحات الإصلاح وضرورة الإسراع في التعامل معها بصورة كلية ومقنعة، رغم ما اخذه البعض على تشكيلتها وعلى فريقها الاقتصادي, إلا أنّ الفريق ذو خبرة ونجح أعضاؤه في مواقع متعددة. 


    في حقبة أصبح الإصلاح حتمية لا مجال لتفاديها؛ ليس امام الحكومة خيار سوى أن تنجز إصلاحاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً شاملاً، ولا عذر امام فريقها الاقتصادي الذي يمتاز بالخبرة والتجانس في تحقيق ذلك. 

 
  المواطنون بانتظار نتائج العمل, ونسبة من يثق منهم بآليات التنفيذ ومساحة "فجوة الثقة" مع الحكومة ستحدَّد في ضوء ما يرى المواطن من أفعال وليس ما يسمع من أقوال.

التعليق