د.باسم الطويسي

أسئلة إسلامية في جنازة البابا

تم نشره في الاثنين 11 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

    استدعت تفاصيل جنازة البابا يوحنا بولس الثاني الذي ووري جسده التراب الى رحمة الله الواسعة يوم الجمعة الماضية أسئلة عديدة ومتناقضة وهي أسئلة بالحتم أهم بكثير من الانشغال الإعلامي بقصص المصافحات الساخنة والباردة بين الزعماء , إنها أسئلة كبيرة تطرح على العالم الإسلامي الذي حضر بشكل واضح في بروتوكول الجنازة ولأول مرة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، حيث يبرز الدور الكبير والهام لشخصية البابا المتوفى يوحنا بولس الثاني فيما أضفاه على الكرسي الرسولي في الفاتيكان من هيبة معنوية في مناصرة حقوق الإنسان وقضايا السلام ومواقفه المعتدلة والإيجابية من الصراع في الشرق الأوسط ومناوئته للحروب الأميركية في المنطقة, فوق ذلك كله تبدو أهمية هذا الحضور فيما تحمله الأجواء التاريخية السائدة منذ اكثر من عقد ونصف في علاقات الشرق الإسلامي بالغرب   والتي أعادت تعريف وصياغة خرائط الصراعات في العالم وفق الأسس الثقافية والدينية.


     في روما حيث يمتد الفاتيكان بجانب الآثار الرومانية الوثنية التي تحمل دلالات قوية للشرق كان المسؤولون الإيطاليون هم الأكثر جرأة في انتقاد الإسلام والمسلمين خلال السنوات القليلة الماضية, وفي المكان ذاته وقف يوم الجمعة الماضية محمد خاتمي الرئيس الإيراني الذي يقود الدولة الإسلامية التي أدخلت العالم الإسلامي القرن الخامس عشر الهجري بظاهرة الدولة الدينية بالقرب من الرئيس الأميركي جورج بوش ووالده اللذين قادا حروب الغرب الجديدة نحو الشرق الإسلامي التي رشحت منها أنفاس دينية أحيانا. كل هذا يعكس حجم وقوة الجدل التاريخي بين السياسة والدين في العلاقة بين الشرق والغرب والتي لطالما فاقت فيها قدرة السياسة أي قدرة أخرى في استثمار الدين ودمغ المصالح بالعواطف.


      كان التشدد الأمني الإيطالي الذي شهدته مراسيم الجنازة ومختلف أنحاء إيطاليا وروما بالتحديد يحمل رسالة هامة للعالم الإسلامي، أول من قرأها القادة العرب والمسلمون الواقفون في ساحة القديس بطرس حيث وصلت الإجراءات الأمنية الى درجة تأذى منها المجتمع الإيطالي وشارك فيها عشرات الآلاف من رجال الشرطة والجنود ونصبت فيها قواعد إطلاق الصواريخ وجابت الأجواء الطائرات المقاتلة ومنعت حركة الملاحة الجوية، قد يكون جانب من تلك الإجراءات مبررا نظرا لحجم الجماهير التي زحفت نحو العاصمة الإيطالية والتي وصلت حسب بعض التقديرات الى حوالي أكثر من مليونين إلا أن ما أوردته التقارير الإخبارية عن الإجراءات الأمنية الأخرى مثل نصب قواعد الصواريخ والطائرات المقاتلة وغيرها تضع في الحسبان شبح أحداث التفجيرات في الولايات المتحدة (سبتمبر 2001) وتضع قصة الإرهاب المنسوب الى المسلمين في دائرة أجواء حدث ديني كبير يمثل اكبر مذهب ديني في العالم.


       لقد انتهى العهد الذي كان فيه رجال الدين الكاثوليك هم الذين يحددون موقف الغرب من الإسلام فمنذ القرن السابع عشر الميلادي بدأت تتغير الصورة شيئاً فشيئاً حينما بدأ الغرب اكتشاف بعض الآداب العربية التي أسهمت في تكوين صورة شبه خيالية عن الإسلام ساهم فيها الرحالة والأنثروبولوجيون والمستشرقون في التعريف بالشعوب الإسلامية وتاريخها, كان ذلك بداية تراجع الدور الديني في تحديد المواقف وإنتاج هذه المعرفة لصالح الأساتذة والفلاسفة والسياسيين والدبلوماسيين, من زاوية أخرى فإن أوروبا الكاثوليكية لم تعد هي التي تقود الغرب أنها في حالة استرخاء تاريخي وركود، فهي لم تعد أوروبا التي أفرزت أفكار الثورة الفرنسية وفلسفة التاريخ والأفكار الليبرالية والماركسية وغيرها ولم تعد كما يقول أحد الباحثين قادرة على أن تعلم الشعوب تاريخها كما فعلت في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلا أنها مازالت وستبقى لفترة ليست قصيرة هي المرجعية الحضارية للغرب هذه الأجواء التاريخية تجعل أوروبا الكاثوليكية طيعة واكثر حكمة من الآخرين واكثر قدرة من أي فترة تاريخية أخرى للإصاغ للعالم, وربما تحمل العقود القادمة استقطابات متعددة اما أن تنهي الجدل الدائر منذ سنوات حول الأطلسي لصالح مستقبل تغريب الغرب كما تريده الولايات المتحدة وعلى طريقتها أو تتمسك أوروبا بجغرافيتها وتصغي لأصوات أخرى في العالم.


     من بين أهم الأسئلة الإسلامية التي كانت تلوح في ساحة القديس بطرس وتطرح بقوة في هذه اللحظات التاريخية وفي أجواء نوايا الإصلاح لماذا تراجع الحوار الإسلامي والعربي- الأوروبي في بعديه الحضاري والديني لصالح الإملاء الأميركي، فإذا أخذنا بعين الاعتبار الوصاية الأوروبية على القيم السياسية والخبرة الأوروبية في علمانية الدولة ونظريات التنمية السياسية ذات المنشأ الأوروبي تبرز القيمة الحضارية التي يجب أن تكون المركز العصبي لعمليات الإصلاح في العالمين العربي والإسلامي.


      لقد ترددت شكوى أوروبية خلال السنوات الماضية رددها مفكرون وسياسيون أمثال (الامير تشارلز، وجيمس بسكاتوري, ومانويل ماران) تتحدث عن أحادية الحوار وافتقاد أي مبادرة من الجانب العربي والإسلامي تحرك المياه الراكدة شرق المتوسط وجنوبه، الأمر الذي يحول العلاقة او ما يسمى بالحوار الحضاري الى نوع من الوصاية واستمرار الهيمنة.


إن المسيحية الكاثوليكية والإسلام اكبر دينين سماويين في الانتشار الجغرافي والاتباع في العالم وهما اكثر من يملك مرجعيات دينية مؤسسية قادرة على بناء قواعد للحوار وهما اكثر من يملك خبرة مؤلمة في التاريخ بالحروب التي مررها السياسيون والتجار باسم الأديان والعقائد، وفي اكثر من مرة في التاريخ كان المسلمون يملكون جرأة المبادرة والمبادءه، فهل يبدو المسلمون اليوم اقل تسامحا من أجدادهم، والسؤال المركزي الذي يطرح في أجواء الاختناق المعنوي، هل المؤسسات الإسلامية الكبرى الممتدة من المجامع الفقهية والأزهر الشريف والمرجعيات الدينية والحركات الأهلية وعلى رأسها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الرافضة لمنطق صدام الحضارات والرافضة لما يسمى بالإرهاب الإسلامي قادرة كلها أو بعضها على طرح مبادرة إسلامية بحجم التحدي الراهن لفتح حوار حقيقي مع الغرب يبدأ بالكنيسة الكاثوليكية وبالتزامن مع البابوية الجديدة التي سوف تتعزز مكانتها اكثر وبالتحديد في أوساط الشباب والأجيال الجديدة، ان المسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط العربي وأوروبا بحاجة اليوم الى حوار جديد اكثر من أي وقت سبق ومبرره الحقيقي انه مصلحة للطرفين وليس لطرف واحد.
[email protected]

التعليق