إجماع عالمي ضد الإرهاب

تم نشره في السبت 9 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

    إذا ما ذكرنا الأمم المتحدة فمن المرجح أن يكون أول ما يتبادر إلى أذهان الناس الفضيحة الجارية بشأن صفقة النفط مقابل الغذاء وما سيترتب عليها من آثار فيما يتصل بقدرة الأمين العام كوفي أنان على قيادة المنظمة خلال فترة العام ونصف العام المتبقية من مدة ولايته.

    لكن ما يدور في أروقة الأمم المتحدة الآن أكثر من مجرد تحقيقات تُـجرى. فقد بات الإصلاح يلوح في الأفق ـ ويرجع هذا جزئياً إلى الفضيحة، لكنه يعود أيضاً إلى عجز الأمم المتحدة عن التعامل على نحو فعّال مع تحديات تراوحت ما بين رواندا وكوسوفو إلى العراق، ومؤخراً السودان. وحتى أشد المؤيدين تحمساً للأمم المتحدة باتوا يدركون الآن أن التغيير صار أمراً مطلوباً إذا كنا نريد لهذه المنظمة أن تساهم على نحو مؤثر في تحقيق السلام والأمن الدوليين.

     تدور بعض أحاديث الإصلاح حول بنية الأمم المتحدة. حيث يمثل مجلس الأمن الصورة التي تخيلها الحلفاء للعالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وكيف ينبغي أن تكون إدارته. وهذه النظرة تساعدنا في تفسير الأسباب وراء منح فرنسا، التي كانت في غاية الضعف آنذاك، مقعداً دائماً في مجلس الأمن ـ وعدم حصول ألمانيا واليابان (والهند التي لم تكن قد نالت استقلالها) على مثل هذه الميزة.

    إن الدفاع عن البنية الحالية لمجلس الأمن أمر في حكم المستحيل؛ والحاجة إلى التغيير لم تعد محل نقاش. لكن التوصل إلى صيغة للتغيير تنال تأييداً دوليا واسع النطاق، يشكل مهمة في غاية الصعوبة.

     سوف تقاوم بريطانيا العظمى وفرنسا فكرة اندماج مقعديهما في مقعد واحد باسم الاتحاد الأوروبي، في حين أن جعل ألمانيا عضواً دائماً لن يؤدي إلا إلى تفاقم مشكلة التمثيل النسبي الزائد لأوروبا. كما ستعترض باكستان على إضافة الهند إلى مجلس الأمن؛ وستعترض الأرجنتين، وشيلي، والمكسيك على إضافة البرازيل؛ وستعترض نيجيريا على إضافة جنوب أفريقيا (والعكس صحيح)؛ كما أن دولاً عديدة، منها الصين وإندونيسيا وكوريا الجنوبية، قد تقاوم منح اليابان عضوية دائمة بمجلس الأمن.

    من الواضح أن إصلاح مجلس الأمن سوف يتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً سياسية مثابرة. وفي ذات الوقت يبرز لنا عمل مهم لابد من إنجازه. ويتلخص واحد من السبل المثمرة لإنجاز هذا العمل في متابعة إحدى توصيات اللجنة رفيعة المستوى والتي أقرها أنان؛ وهذه التوصية على وجه التحديد هي أن تعلن كافة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة رسمياً أن الإرهاب ـ القتل العمد للمدنيين وغير المشاركين في عمليات قتالية من قِـبَل جهات غير تابعة لدولة بعينها بهدف تحقيق غايات سياسية ـ لم يعد له مكان في عالم اليوم.

     سوف يتبين لنا أن هذه المهمة أكثر صعوبة مما قد نتصور للوهلة الأولى. فقد تسامح المجتمع الدولي مع الإرهاب لفترة طال أمدها بدعوى أن "الإرهابي في نظر شخص ما قد يكون مناضلاً من أجل الحرية في نظر شخص آخر".

     قد يتاح للمؤرخين ترف النقاش والجدال حول ما إذا كان اللجوء إلى الإرهاب مبرراً في مواقف بعينها في الماضي. لكننا لا نملك مثل هذا الترف. فالإرهاب المعاصر أشد تدميراً وتخريباً من أن نتساهل معه، ناهيك عن تأييده.

     إن أسلحة الدمار الشامل ـ النووية، والبيولوجية، والكيمائية ـ ، ليس هناك من الأسباب ما قد يبرر استخدامها. فضلاً عن ذلك، وكما أثبتت الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها أميركا في عام 2001، فإن أي سلاح بسيط كأدوات قطع صناديق الهدايا قد يتحول إلى سلاح دمار شامل إذا ما استخدم بحيث يستغل نقاط الضعف في الحياة العالمية المعاصرة.

    بل إن مبررات الإرهاب تتقلص على نحو أكثر وضوحاً إذا ما أدركنا أن السبل السياسية أصبحت متاحة اليوم أمام من يريد ملاحقة غاية سياسية. حيث يستطيع الفلسطينيون على سبيل المثال أن يتفاوضوا بشأن علاقتهم المستقبلية مع إسرائيل معتمدين في هذا على المساعدة التي لابد وأن تقدمها لهم أميركا، وروسيا، وأوروبا، والأمم المتحدة. ولقد نجح العراقيون في انتخاب من يمثلونهم وهم يستعدون الآن لوضع دستور للعراق. إن كل من يسعى إلى تحقيق أهداف مشروعة ومعقولة ولا يجد غضاضة في التوصل إلى الحلول الوسط لا يستطيع أن يقول إن الإرهاب هو الخيار الوحيد أمامه أو أمام جماعته.

    لقد خطا العالم بالفعل بعض الخطوات الهامة على طريق مكافحة الإرهاب. وهناك العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية والعديد من قرارات الأمم المتحدة التي تلزم الحكومات بمعارضة ومقاومة أسر الرهائن، واختطاف الطائرات المدنية، والإرهاب على نطاق أكثر شمولاً.

    وعلى نحو مماثل، فقد اتسع نطاق سلطات قوة العمل المختصة بالمهام المالية، والتي تكونت في عام 1989 بغرض مكافحة غسيل الأموال، وأصبحت تركز أساساً على قطع التمويل عن الجماعات الإرهابية. أما القرار 1373 الذي صدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإنه يطالب كافة الدول بعدم توفير الملاذ الآمن والحماية لأي من الإرهابيين، وبتقديم كل من يثبت تورطه في الإرهاب إلى العدالة، والعمل على منع الجماعات الإرهابية من تجنيد الأفراد، وإعاقة جهود الإرهابيين الرامية إلى الحصول على الأسلحة، والتعاون مع الحكومات الأخرى والمنظمات الدولية في تعقب المشتبه بهم وتعزيز الأمن.

     ما ينقصنا الآن هو عقد اتفاقية دولية جديدة تعمل على سد الثغرة التي تسمح للحكومات بأن تقرر بمفردها ما الذي يعد إرهاباً وما الذي لا يعد إرهاباً. إن الأمر يحتاج إلى اتفاق دولي واسع النطاق على أن أي قتل عمد لمدنيين أو أفراد من غير المشاركين في أعمال قتالية لابد وأن يعتبر تصرفاً غير مقبول، ولابد من عقاب مرتكبيه وكل من يساعد على ارتكابه بالدعم والتأييد.

     بطبيعة الحال، لن تمنع هذه الاتفاقية كافة أشكال الأعمال الإرهابية في المستقبل. لكن الأفكار لها ثقلها وأهميتها. ولابد من نزع صفة الشرعية عن الإرهاب بنفس الأسلوب الذي اتبعه العالم لمنع الرِق. وهذا من شأنه أن يجبر الحكومات والأفراد على التفكير المتعمق قبل المشاركة في أي شكل من أشكال الإرهاب؛ كما أن هذه الاتفاقية لابد وأن تقلل من صعوبة حشد التأييد للعمل الدولي في مواجهة أولئك الذين ينفذون الأعمال الإرهابية على الرغم من كل العقبات أمامهم.

    لقد تعلمنا في وقت مبكر من حياتنا أن الغاية لا تبرر الوسيلة. ولقد آن الأوان لكي نضع هذا المبدأ في حيز التنفيذ قبل أن يضيع المزيد والمزيد من أرواح الأبرياء.

التعليق