والعرب أيضاً يدشـّنون المحكمة الجنائية الدولية !

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

 تستحوذ قضايا العالم العربي وإشكالاته على نصيب الأسد من القرارات التي يتخذها مجلس الأمن الدولي، وبخاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة القطب المهيمن الأكبر في العالم، والأكثر نفوذا في هيئة الأمم المتحدة.

 آخر القرارات الدولية المتعلقة بالعرب في مجلس الأمن، كان القرار غير المسبوق الذي أحال موضوع مقاضاة "المشتبه بارتكابهم جرائم حرب في اقليم دارفور بالسودان" إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لتكون أول قضية تدشّن عمل هذه المحكمة.

 المخاض كان عسيراً واستمرّ لعدة أسابيع، مارست الولايات المتحدة خلالها كل اشكال الابتزاز والضغط بما في ذلك التهديد باستخدام ( الفيتو )، نظراً لرفضها الاعتراف بشرعية هذه المحكمة التي أقرّتها ( الشرعية الدولية ! ) في وقت سابق ، بهدف (مقاضاة مرتكبي جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الانسان). فرنسا أعدت مسودة القرار، وبريطانيا رعته وأسهمت في تعديله وإخراجه بحيث تضمن نصّـاً يمنع هذه المحكمة الدولية ( ومحاكم من أية دولة اخرى ) من محاكمة أي مواطن امريكي او مواطن من أية دولة اخرى في السودان ليست طرفا في المحكمة الجنائية الدولية ! مما يعني ان الولايات المتحدة قد فرضت إرادتها على مجلس الأمن بمنحها هذا الاستثناء، رغم الانتصار الظاهري لفرنسا وباقي اطراف مجلس الامن بتكريس المحكمة الجنائية التي لا تعترف بها الولايات المتحدة .

 وبذلك، أصبح بالإمكان مقاضاة كبارالمسؤولين في الحكومة والجيش السودانيين الى جانب زعماء المليشيات العربية وبعض زعماء المتمردين وقادة الجيوش الاجانب، عما اسمي بارتكاب جرائم ابادة جماعية وجرائم حرب، رغم ان كثيراً من المنظمات والهيئات الدولية وحتى الامريكية نفت ان يكون مثل هذه الجرائم قد ارتكب اصلاً، وان الامر لا يعدو ان يكون استمراراً للصراع في هذا الاقليم المنكوب .

 أزمة دارفور التي تنفخ أمريكا وفرنسا في نارها، ويتدخل فيها العدو الصهيوني مباشرة عن طريق دعم وتدريب المتمردين طمعاً في مياه النيل،( حسب تصريح لوزير الداخلية السوداني بداية هذا العام )، ليست الا جزءاً من الأزمة التي يعيشها السودان ، مع شيء من الخصوصية. وتنبع هذه الازمة من موروثات تاريخية، سياسية واجتماعية واقتصادية، ضمن هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة مترامية الأطراف .. حيث التنوع الجهوي والقبلي والعرقي والديني والطائفي والثقافي ، والاقتصاد الهشّ القائم على الزراعة والرعي والحرف القديمة أصلاً، وتعاقب أنظمة الحكم العسكرية ( وغير العسكرية ) التي لم تستطع ان تنتقل بالسودان بعد استقلاله قبل ثمانية واربعين عاماً،  إلى واقع جديد قائم على التنوع في اطار دولة ديموقراطية واحدة، ولم تنجح في تغييرالنمط الاقتصادي القديم بالاستفادة من الثروات الطبيعية المهمة التي تضاف إلى الثروة الاقتصادية الاساسية، وهي الزراعة.

 اما ( خصوصية ) دارفور ، فتقوم على وجود حوالي 170 مجموعة اثنية وحّدها الاسلام منذ وقت طويل، وتسودها لغة واحدة هي اللغة العربية .. ويقع هذا الاقليم شرق حزام البترول الافريقي الذي يضم بالاضافة اليه كلا من تشاد والنيجر ونيجيريا، حيث تأكد وجود كميات مهمة من البترول في اراضيه، ضمن احتياطي البترول السوداني الذي يقال انه يعادل احتياطي ليبيا .. ولعل ذلك أحد الأسباب الرئيسة لاهتمام كل من فرنسا وامريكا بوضع السودان عامة واقليم دارفور على وجه الخصوص. حيث ان وجود الإقليم في اقصى غرب السودان، واتصاله مع مناطق الجنوب التي تقاسمت الثروة والسلطة مع الحكومة السودانية، وملاصقته لثلاث دول افريقية تحت النفوذ الامريكي والفرنسي، اضافة الى وجود البترول والنحاس واليورانيوم ( والصمغ العربي ) ، يجعله محطّ الاهتمام في عصر العولمة والعودة الى الاستعمار القديم.

 لقد نشأت أزمة دارفور أساساً نتيجة صراع البقاء بين المزارعين والبدو مربي الإبل والأبقار  في فترة الجفاف والتصحّر التي ضربت الاقليم قبل اربعين عاماً ، وتفاقمت عبر الزمن الى صراع مسلح محدود ثم شامل بين قبائله. ولو تمت الاستفادة من الامكانات الهائلة التي يمتلكها السودان لما تطورت هذه الازمة وغيرها من الإشكالات التي تواجهها الأقاليم الأخرى، لكن ذلك كله كان مرتبطاً بطبيعة أنظمة الحكم المتعاقبة وسياساتها العامة وبخاصة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية .

 أما الضغوط  والتهديدات الخارجية ، فقد تجسدت في قرار مجلس الامن رقم 1556الصادر في 30 حزيران 2004 ، والذي هدّد بالنظر في اتخاذ قرار بمعاقبة السودان ما لم توفر الحكومة خلال ثلاثين يوما الامن في الاقليم ، وتنزع اسلحة ميليشيا الجنجويد الموالية لها ، وتحاكم قادتها ، وتوفر شروط اغاثة وعودة النازحين ، والعدد الكافي من المراقبين الدوليين الذين يوفرهم الاتحاد الافريقي لاتفاق وقف اطلاق النار والقوات الكافية لحمايتهم.

وقد تبع هذا القرار التعجيزي تهديد مباشر من القيادة العسكرية البريطانية بنشر قوات عسكرية فورا في دارفور اذا تلقت امرا سياسيا بذلك . تلا ذلك طرح امريكا لمشروع قرار في مجلس الامن ينص على انه سيتخذ عقوبات تشمل قطاع البترول وحظر الطيران العسكري السوداني في دارفور ، لكن معارضة الصين وروسيا والجزائر وباكستان لهذا المشروع ، ادت الى تعديله وصدور القرار رقم 1564 بتاريخ 18/9/2004 ، والذي انذر السودان بالنظر في اتخاذ عقوبات على القطاع البترولي . هذان القراران يشيران بوضوح الى الدعم والتحريض اللذين تمارسهما كل من امريكا وفرنسا( كلّ لاهدافه الخاصة) لحركة التمرد في دارفور، والضغوط التي تمارسانها ضد حكومة السودان. وبصدور القرار الأخير  تكتمل حلقة تشجيع حركتي التمرد المسلحتين في دارفور ( حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة ) للاستمرار في الضغط على الحكومة السودانية لتقديم التنازلات المطلوبة، على طريق انفصال الاقليم عن جسم السودان مستقبلاً، أسوة بما يمكن ان يحدث بالنسبة لأقليم الجنوب.

 إن درء مخاطر تدويل قضايا السودان والتدخل الاجنبي في شؤونه، والحيلولة دون تفكيك اقاليمه ( السبعة إضافة الى مديرية الخرطوم )،  يتطلب المحافظة على الوحدة الوطنية السودانية في إطار من التنوع واللامركزية الاقليمية المتكافئة ضمن الدولة العربية الواحدة. ولن  يتحقق ذلك الا باحترام الحريات والحقوق الدستورية لجميع المواطنين، وتوفير المناخ الديموقراطي في العلاقة بين أطياف المجتمع السوداني، كما يتطلب قبل ذلك وبموازاته، مقاومة كل اتجاه للتدويل او التفكيك، خاصة مع وجود قوى في دارفور والجنوب تدعو صراحة الى تدويل الأزمة، وترحب بالتدخل الأجنبي، وهي التي هلّلت لقرارات مجلس الامن واعتبرتها انتصاراً لتوجهاتها .

التعليق