شارون امام امتحان التطبيق.. ولكن!

تم نشره في الجمعة 1 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً


ازال رئيس الحكومة الاسرائيلية في الايام الأخيرة ما تبقى لديه من عقبات، ادعى انها تشكل عائقا له امام تطبيق خطة الفصل القاضية باخلاء مستوطنات قطاع غزة ومحاصرته في البر والبحر والجو، واخلاء اربع مستوطنات صغيرة في شمال الضفة الغربية، وهذا بعد ان اقر الكنيست الاسرائيلي مشروع ميزانية اسرائيل للعام الحالي، واسقط مشروع فرض استفتاء شعبي عام حول خطة الفصل المذكورة.


ولم يكن بامكان شارون ان ينجز هاتين المهمتين بائتلافه الهش، المتصدع بسبب الخلافات الحادة داخل حزبه الليكود، لولا اصوات من المعارضة ساندته لعبور ازمته، وليس قبل ان توقع معه اتفاقا ماليا، اعتبره مراقبون على انه نوعا من الفساد السياسي.


وعلى ما يبدو فإن شارون الذي استفاد جدا من الازمات السياسية المتلاحقة، التي تواجهها حكومته منذ قرابة عشرة اشهر، شعر بالحرج حينما قال العالم: "إن شارون ازال كل العقبات الحزبية والسياسية من امامه لتنفيذ الاخلاء"، فقد عاد شارون مسرعا الى الكنيست الاسرائيلي بعد اقل من 12 ساعة من اقرار الميزانية، ليطلب منه تأييدا لضم ثلاثة وزراء وخمسة نواب وزراء من انصاره من حزب "الليكود" الحاكم، (الوزير الثالث من حزب "العمل")، الى حكومته التي تضم 21 وزيرا، ومن بينهم وزراء لا حقائب لهم.


لقد ذهب شارون مسرعا الى البرلمان في خطوة عرف ان مصيرها الفشل، فهو اراد ذلك لعدة اسباب، أولا ان يقول للعالم "إن ازمتي السياسية لم تنته تريثوا وتفهموا"، كما انه يريد من وراء هذا "التفهم" ثمنا ماليا وسياسيا امام الفلسطينيين في اطار "تنازلات"، وثانيا، فإن شارون يريد بهذه الخطوة "اتمام واجب" تجاه انصاره الذين دعموه، ليقول لهم "لقد حاولت ولم انجح".


لن يترك شارون الأمور تتحرك من دون أزمات، فهو الآن لديه عطلة للبرلمان تمتد لفترة شهر ونصف الشهر، ومن المفترض ان يخفف هذا من الضغوط البرلمانية والحزبية عليه، ولكن شارون سيبحث عن هذه الازمات ويولدها من جديد، ولديه الكثير من المواقع والحلبات التي تضمن له استمرار الظهور امام العالم في مشهد "وحيد في الأزمة من اجل اخلاء المستوطنات.


إن ابرز المعارك التي سيؤججها شارون في هذه الايام ستكون امام منافسه على زعامة الليكود، وزير المالية بنيامين نتنياهو، وحتى ان بعض المراقبين يقولون ان قائمة الوزراء ونواب الوزراء التي اعدها شارون، تخدم معركته امام نتنياهو، كما ان نتنياهو نفسه معني بمعركة من هذا النوع، وأن تتأجج أكثر فأكثر، حتى بثمن شق الحزب الليكود، اكبر الاحزاب الاسرائيلية، قبيل الانتخابات البرلمانية القادمة.


نظريا فإن شارون الآن متجه الى تطبيق خطة الفصل، هذه الخطة الجهنمية التي جعل شارون العالم لا يرى منها سوى الجزء الصغير، نعم الصغير، الذي يقضي باخلاء 27 مستوطنة صغيرة جدا، معظمها في قطاع غزة واربعة منها في شمال الضفة الغربية.


إن خطة شارون لا تنهي احتلال قطاع غزة، الذي سيتحول الى سجن كبير محاصر في كافة الجهات، وهذا ما تؤكده منظمات اسرائيلية حقوقية، كما ان اخلاء المستوطنات في جزء صغير من شمال الضفة الغربية لا يعني انهاء الاحتلال لهذه المنطقة، وهذا ايضا يؤكده كبير المحللين العسكريين في اسرائيل، زئيف شيف، في مقال نشره في هآرتس.


وأكثر من ذلك، تعالوا نقارن بالارقام، فإن مجموع البيوت التي سيخليها شارون في هذه المستوطنات بالكاد تتجاوز الفي بيت، وقد تكون 2200 بيت كحد اقصى، ومن جهة أخرى فإن حكومة شارون نفسها، اقرت مخططا لبناء 6650 بيتا في مستوطنات الضفة الغربية خلال عام واحد، عدا عن مشروع الاستيطان الجارف الذي يعم هضبة الجولان السورية المحتلة.


وفي نقطة واحدة في الضفة الغربية تريد حكومة شارون بناء 3500 منزل استيطاني، في مستوطنة معاليه ادوميم، لربط هذه المستوطنة، التي تشرف على البحر الميت، بمدينة القدس المحتلة، وجعلها جزءا من القدس وشطر الضفة الغربية الى قسمين شمالي وجنوبي، من خلال حزام استيطاني ضخم يربط ما بين مستوطنات غربي بيت لحم، (غوش عتسيون) مرورا بالقدس وحتى مشارف البحر الميت واريحا.


لقد قلنا هنا ومرارا، ان شارون اوضح للجميع انه اختار "التضحية" بالقليل، بمعنى مستوطنات القطاع، ليضمن بقاء الكثير، مستوطنات الضفة الغربية.


نعم إن شارون متجه للتطبيق، وسينفذ، حتى وإن تصاعد ارهاب المستوطنين الى درجة استخدام السلاح، فهو بنى مشروع حياته ولن يتنازل عنه، عدا عن ان ممارسات المستوطنين تخدم اهداف شارون، لأنه بذلك يريد ان يقول للعالم: "انظروا ماذا حصل لاسرائيل بسب اخلاء بضع مستوطنات صغيرة، فكيف سيكون الحال إذا طلب منا ان نخلي مستوطنات اصبحت مدنا في الضفة الغربية".

التعليق