الإصلاح السياسي في سورية.. أسباب ودوافع موضوعية!!..

تم نشره في الخميس 31 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

      في ظل اشتداد الضغوط على النظام السوري وتواتر انسحاب قواته العسكرية من لبنان، عادت فكرة الإصلاح السياسي لتحتل حصة مهمة من النقاشات الدائرة اليوم، خاصة في عرض الأسباب والمعوقات الداخلية التي حالت دونه، إن لجهة صحة وجدوى أسبقية الإصلاح الاقتصادي أو الإداري أو لجهة مدى أهلية النخبة الحاكمة وحدود قدرتها ومصالحها على إنجازه، بما في ذلك حقيقة وجود صراع بين ما يسمى حرسا قديما وحرسا جديدا وأيضاً واقع الدولة السورية المترهلة والثقيلة الخطى التي ينخرها الفساد وتكبلها بيروقراطية ثقيلة!! لكن كي تكتمل اللوحة من المفيد إلقاء الضوء على بعض الأبعاد والأسباب الموضوعية التي ضغطت ولا تزال تضغط بقوة على المجتمع والسلطة في آن معاً، وتحث، منذ زمن بعيد، على ضرورة إجراء تغيير وإصلاحات سياسية في بنيتيهما وفي طابع العلاقة التي تحكمهما....

    أولاً، الدروس المستخلصة من تجربة العراق المريرة وفي مقدمتها فشل وإخفاق نظام الحكم الاستبدادي في قيادة المجتمع وإنجاز برامجه التنموية، فتركز الثروة ورأس المال بيد الدولة والحزب الواحد وقيام سلطة كلية، تحتكر كامل الحياة السياسية ومعظم أوجه النشاط الاقتصادي وتفرض نفسها كمجال وحيد للحراك الاجتماعي، أفضى إلى تخريب البنية الوطنية وتدمير خلايا النمو والتجدد في المجتمع وأضعف إلى حد كبير من  قدرته على مواجهة التحديات المحدقة، وتلقائياً وفي ضوء أوجه التشابه بين البلدين أصبحت تلقى السخرية كل دعوة تربط التعبئة الشاملة ضد الأخطار الخارجية بإطاحة الحريات والديمقراطية، أو تلك التي تأمل مقاومة ونصراً من قمع الداخل وإطلاق دور القوة العسكرية والأمنية!!.

     ثانياً، يمكن أن تضاف في السياق نفسه الآثار التي خلفتها المتغيرات العالمية، وبشكل خاص انهيار الاتحاد السوفيتي وما كان يسمى منظومة الدول الاشتراكية، بما هو فشل وسقوط نموذجها الشمولي في الحكم وفي قيادة وتطوير المجتمع، وما عمق هذه الآثار في سورية ومنحها استمرارية، أن مثل هذا النموذج كان أحد أهم المناهل التي استمد منها النظام السوري الكثير من مقومات سيادته وعناصرها، الأمر الذي تطلب وبإلحاح ضرورة إعادة النظر والبحث عن أشكال وطرائق جديدة أقل احتكاراً  في علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع، ضرورة لا تزال تفرض نفسها بقوة بل تزداد حضوراًً كلما كثرت الذرائع والحجج التي تدفع لتأجيلها والتهرب من استحقاقاتها، مرة بدعوة الخصوصية السورية وتميز نموذجها في الحكم عما كان سائداً في الدول الاشتراكية وادعاء الثقة بقدرته على الاستمرار ومواجهة تحديات النمو والتطور، ومرة عبر المبالغة في عرض المخاطر المترتبة عن التغيير في محاولة لزرع الخوف من عواقب وخيمة تنجم عن عملية الانفتاح الديمقراطي والإشارة بالبنان إلى الجوانب السلبية والمثالب الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي رافقت هذه العملية في كثير من المجتمعات.

    مع الاعتراف بأن أسلوب " العلاج بالصدمة " الذي اعتمدته معظم  "البلدان الاشتراكية " السابقة، لا يصلح لمجتمعنا، لتميز تركيبته السياسية والاقتصادية بالضعف والتعقيد، وبخصوصية صراع تاريخي مع عدو صهيوني، لكن من الخطأ والخطر أن نغمض العين عن الدروس المرة لانهيارات " البناء الاشتراكي " وفشل كل ما ابتدع من فنون الهيمنة والسيطرة الشمولية في إخراج هذا النموذج من مأزقه ومن عنق الزجاجة التي وضع فيها، وتالياً على العكس مما ذهب إليه المدافعون عن الوضع القائم، فإن الخصوصية السورية وتفاقم أزمتها سياسياً واقتصادياً يوماً بعد يوم، يفترض أن تزيد إصراراً وعزماً على التغيير الديمقراطي، لا رفضاً وممانعة، وحتى إن اتفق أن يتم الإصلاح متدرجاً لكن يجب أن يكون واضحاً وجريئاً، لا تحكمه ردة أو تردد، وينظمه خط صاعد يصل في نهاية المطاف إلى الحرية والانفتاح على الآخر، وإرساء قواعد العمل الديمقراطي في الحياة العامة وكافة أنشطة المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية.

       ثالثاً، سيادة ظاهرة العولمة، وبشكل خاص ما يسمى " العولمة السياسية " التي تعني فيما تعنيه الحضور القوي للفكر الليبرالي ومبادىء الديمقراطية وحقوق الإنسان في تقويم الأنظمة السياسية ومعايرة مدى شرعيتها وصلاحها، وذلك بخلاف ما عرفناه أبان الحرب الباردة من تراجع الاهتمام بقضايا الحرية والديمقراطية، وسعي كلا قطبي النظام الدولي إلى دعم وتعزيز الحكومات الحليفة دون النظر إلى طبيعة النظام وطرائقه في الحكم، ويمكننا من هذه القناة تفسير الحملات الواسعة التي جرت خلال العقد الأخير من القرن العشرين من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي طاولت معظم البلدان ذات النهج الشمولي ومنها سورية، وأيضاً الاشتراطات المسبقة للشراكة الأوروبية ـ السورية، وفي القلب منها المطالب السياسية المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان، دون أن نغفل أيضاً، من الزاوية المعاكسة، الدور السلبي الذي لعبته أحداث / 11 أيلول ـ 2001 / في تراجع الاهتمام، نسبياً، بهذه المعايير، مع التقدم الكاسح لاستراتيجية مكافحة الإرهاب والعودة المحمومة لأجواء توازن القوى وحساباتها، لكن يبدو أن هذه المعايير عادت مؤخراً لتطل برأسها في صور وأشكال أكثر تركيزاً تجلت بتواتر المشاريع الغربية لتنمية المنطقة وإصلاحها ديمقراطياً.

     رابعاً، دور الثورة المعلوماتية وسرعة تلقي وانتشار الخبر ووصوله بسهولة ويسر إلى كل بيت، الأمر الذي حطم الأسوار الحديدية التي نأت بالمجتمعات الشمولية عن عيون الخارج وكشف جوفها على الملأ وسمح تالياً بفضح وتعرية كل أساليب الإرهاب والقمع التي دأبت السلطات السائدة على استخدامها ضد خصومها ومعارضيها، مما ساعد على لجم عدوانيتها السياسية وكف يدها، التي كانت حرة طليقة فيما مضى، عن ممارسة ما يحلو لها من صنوف القهر والاضطهاد بحق شعوبها، وأجبرها على اعتماد أساليب أقل عنفاً وإثارة للرأي العام أو " أكثر حضارية " إذا صح التعبير، كي تتجنب ردود الأفعال العالمية وتضمن استمرار هيمنتها وسيادتها على حركة المجتمع وقواه المعارضة بأقل شوشرة أو فضائح.

    خامساً، الضغط الموضوعي للرساميل الغربية، وبدرجة أقل العربية، بإحجامها عن الاستثمار في سورية، بسبب غياب الأجواء السياسية والقانونية المناسبة. فالرأسمال جبان بطبعه، والأبواب مشرعة أمامه في كل بقاع الأرض، فلأجل أي غرض يختار السوق السورية، وأي مصلحة له في الاستثمار تحت رحمة قانون الطوارىء والأحكام العرفية ساري المفعول إلى الآن ؟!.. انه أمر بديهي أن يسعى كل مستثمر لضمان حماية قانونية لأمواله ومناخ سياسي ديمقراطي يحد من تطاول السلطات التنفيذية ووصايتها على أنشطة الحياة الاقتصادية، الأمر الذي يمكن اعتباره حافزاً قوياً نحو الإصلاح الديمقراطي، خاصة في ظل الركود النسبي الراهن للاقتصاد السوري وتراجع وتائر نموه، وتالياً حاجته المتزايدة لجذب الاستثمارات الخارجية، والرهان على دورها في إنعاش حركة الإنتاج وتوفير فرص عمل ضرورية للآلاف من العاطلين عن العمل وخريجي الجامعات والمعاهد الفنية الذين تفيض بهم سوق العمل.

أخيراً، إن ما سبق ذكره من عوامل موضوعية للتغيير صارت أشبه بحقائق راسخة لم يعد بالإمكان القفز من فوقها، وهي تزداد إلحاحا وحضوراً مع ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية، وتحرض على العمل لإزالة كل العقبات الذاتية، خاصة في مستوى ممانعة السلطة، التي لا تزال  تقف حائلاً دون إنجاز الإصلاح الديمقراطي بأسرع السبل وأقلها آلاماً، فليس من فرصة غير مناخ الحريات واحترام حقوق الانسان وتفعيل دور المجتمع في الحياة العامة يمكن أن يعالج أزماتنا ويواجه تحديات التنمية والأخطار المحدقة أياً كان نوعها. 

التعليق