العرب والولايات المتحدة

تم نشره في الخميس 31 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

    القانون الأول للتحالف مع القوة العظمى هو أنه لا يوجد طرف، أياً كانت خصائص هذا الطرف يستطيع أن ينعم بعوائد التحالف مع القوة العظمى بشكل مجاني ودون تقديم ثمن. فلابد من توفر الجدوى لتفعيل التحالف. فلا يكفي وجود عدو مشترك لبناء تحالف مع قوة عظمى. حتى في زمن الحرب الباردة كانت هناك أولويات وواجبات، والتزامات لابد أن يقدمها الحلفاء.

    فهناك في تاريخ الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أكثر من مرة، إقدام على استبدال الحلفاء. فالعديد من انقلابات الستينيات كانت من أجل ضمان وجود أنظمة حكم فعالة، تستطيع أن تؤدي المطلوب من تلك الدول. وكل الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة التي أخفقت في الاستجابة لمتطلبات التنمية، خصوصاً بعد نجاح ثورة كوبا، وإعلان الرئيس كينيدي عن إستراتيجية "شركاء في التقدم"، أصبحت عرضة للضغط وإن لم تنجح بالتكيف خضعت لما هو أكثر. فالتحدي منذ نجاح الثورة الكوبية،هو كفاءة في إدارة الموارد، وتحقيق التنمية كضرورة لتجنب ثورة الفقراء المطالبين بالاشتراكية. كذلك كان أمام الأنظمة الاشتراكية مهمة تحقيق منجزات تعزز فكرة الثورة، وإلا تعرض الحليف للتغير من قبل راعيه.

     فترة ما بعد الحرب الباردة، غيرت من هذا المنظور، ووسعت هوامش الحلفاء. وتأسست في التسعينيات هوامش للتعامل مع القوة العظمى، أكانت على مستوى داخلي أم على مستوى علاقات دولية. حيث ظهرت أولويات دولية، جديدة، وظهر ما يمكن أن يسمى بالعلاقات الدولية المرنة. وكان بإمكان الحلفاء أن يتصرفوا بهامش حرية واسع نسبياً. فالعالم في تلك المرحلة كان لديه ما يكفي من الوقت لمتابعة مشروع التقدم، ولا يوجد ما يمكن أن يسمى تهديداً مباشراً يتطلب اصطفافاً صلباً.

     أحداث 11/9، أنهت حالة الاسترخاء، فبعد أسابيع منها كانت القوات الأمريكية تجوب وسط آسيا بحثاً عن أهداف، وبعد ذلك بأشهر عادت للشرق الأوسط باعتباره بؤرة التحدي. وبينهما انشغلت الدوائر الفكرية في الولايات المتحدة ببلورة ما عرف بالاستراتيجية الوطنية الجديدة لمواجهة العدو الجديد، وبغض النظر عن تفاصيل تلك الاستراتيجية فأهم ما يميزها هو أنها جعلت الحرب على الإرهاب أولوية قصوى. فالإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة تحد للتقدم، ومضمون استراتيجيتها المعلنة بوثيقة رسمية لمحاربة الإرهاب، هو مواجهته على عدة محاور وعدة جبهات. ولا يمكن اختزال الحرب العالمية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الإرهاب، بأنه مجرد ملاحقة إرهابي هنا وهناك، أو القبض على مجموعة إرهابية وتقديمها للمحاكمة. فهذا العمل على أهميته لم يعد يرضي الولايات المتحدة. فالمطلوب أمريكيا هو العمل على استئصال جذوة الإرهاب ومبرراته. وأهم هذه المبررات هي الأوضاع الداخلية في العالم العربي. والمطلوب إصلاحها بشكل فوري ودون إبطاء.

    فأهم فرق ما بين الحرب الباردة والحرب على الإرهاب هو أنه في الحرب الباردة، كان بالإمكان لبعض الأنظمة أن تتجنب الضغط من أجل تنفيذ بعض الإصلاحات ومقايضتها بتنازلات على ساحة الحرب الباردة. فالحد الأدنى الذي كان مطلوباً هو تأمين مستوى معقول من التنمية، وبعد ذلك تدار الأمور، ويتهم جميع الخصوم بأنهم شيوعيون، وتنتهي المسألة. أما في سياق الحرب على الإرهاب، فهذا غير ممكن، وغير مقبول.

     الولايات المتحدة تريد أن تصفي القضية الفلسطينية وتحلها في سياق الحرب على الإرهاب. وأي تنازل للولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار التسوية، لا يمكن له أن يمثل بديلاً مقنعاً لها عن القيام بالإصلاحات الضرورية لتعزيز جهود محاربة الإرهاب. تخلي بعض العرب عن بعض المطالب، في إطار المقايضة للتخلص من الضغط الأمريكي لتنفيذ بعض الإصلاحات لم يعد له معنى، ودخول أي طرف باستثناء الفلسطينيين في ترتيبات أمنية مع الإسرائيليين غير مجد، وغير مطلوب. بل يمكن القول أن تخلي بعض العرب عن متطلبات الحل العادل، يعزز الصورة التي تريدها الولايات المتحدة وهي ببساطة: أنها هي التي ستحل القضية الفلسطينية، وتحقق العدالة المطلوبة، ليس بسبب مطالب العرب، ولكن بسبب التزامها الأخلاقي. وتخلي بعض العرب عن المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، يقدم خدمة مجانية للولايات المتحدة، ولا يخلصهم من تأدية استحقاقات الإصلاح المطلوب. وهذه الأنظمة تخسر ثلاث مرات بلجوئها لتأجيل استحقاقات الإصلاح بتنازلات في السياق الفلسطيني. الخسارة الأولى هي إظهار الولايات المتحدة وكأنها هي التي تنحاز لحقوق الشعب الفلسطيني وليس العرب. والثاني تعزيز مواقع الولايات المتحدة في الشارع العربي مما يعطيها فرصة للمطالبة بمزيد من التنازلات، والخسارة الثالثة هي فقدانها لبعض عناصر قوتها مما يضعفها في سياق تنفيذ وإدارة عمليات التغيير والإصلاح.

    والجانب الثاني من قانون التحالف مع القوة العظمى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، هو أن هذا التحالف لا يجوز ولم يعد مقبولاً من قبل الولايات المتحدة أن يحصل على عائداته نخبة سياسية محصورة ومعزولة شعبياً. فضد منطق هذا التحالف هو أن تعتقد فئة مسيطرة أنها يمكنها احتكار عائدات التحالف مع الولايات المتحدة، وحرمان مجتمعاتها منها. هذه المعادلة كان يمكن التغاضي عنها خلال الحرب الباردة، ما دامت هذه النخبة تسيطر على الأوضاع. في سياق الحرب على الإرهاب، مطلوب توزيع عائدات التحالف مع الولايات المتحدة بشكل عادل. فعدم العدالة في توزيع عائدات هذا التحالف يضر الحرب على الإرهاب ويضر الأمن الوطني للولايات المتحدة.

    ففي سياق الحرب على الإرهاب، لم يعد هناك ما يمكن أن يسمى شأناً داخلياً لأي دولة. فإما أن تتهم الدول بأنها مارقة، وتقدم تسهيلات للإرهابيين، وبالتالي هي هدف حتى يتم ضمان وجود أنظمة متعاونة. وبالنسبة للأنظمة الصديقة، فإنها مطالبة باعتماد سياسات مناسبة تخدم التصور الإستراتيجي للحرب على الإرهاب الذي نشرته الولايات المتحدة. فالدول الصديقة، مطلوبة لتقوم بالإصلاحات الداخلية المطلوبة، وليس من أجل تقديم خدمات في مواجهة أعداء ضعاف عسكرياً وسياسياً وليس فيهم من يمثل تهديداً عسكرياً مباشراً للولايات المتحدة.

     فمصدر الخطر الجديد الذي ثبت في 11/9/2001، هي أن المجتمعات الغاضبة المظلومة والمضطهدة هي مصدر الخطر. والمطلوب نزع الغضب بمزيد من الحرب والعدالة. وأهم خدمة مطلوبة من الأصدقاء هي أن يتحولوا إلى نماذج ناجحة لعمليات التحول الديمقراطي والإصلاحي. فأحد أهم الفروق بين الحرب الباردة والحرب على الإرهاب هو أنه في الحرب الباردة، طلب الإصلاح على الطريقة البونابارتية دون ديمقراطية، أما الآن فلا إصلاح دون حرية ودون ديمقراطية.

التعليق