إبراهيم غرايبة

المجتمع ومصالحه بعيدة المدى

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

  كيف ستدبر المجتمعات شؤونها بعد فترة من الزمن حين لا يكون هناك وزارات للثقافة والإعلام والتعليم والزراعة والصحة وسائر الخدمات، وعندما يقتصر دور الدولة على الأمن والدفاع والتنسيق والمراقبة؟

  إن الدولة ظاهرة حديثة، وقد سبقتها المجتمعات بكثير، وهي أعرق وأرسخ، وتواجه الدولة اليوم تحديات كبرى تعيد النظر إستراتيجيا في دورها ووجودها، وقد فتحت السنوات الماضية في تحولاتها الكبرى سؤالا عن النهايات، نهاية التاريخ، نهاية الوظيفة، نهاية الدولة.

  والكلام على النهايات يملأ العالم، وسيكون جائزا على نحو يستدعي القلق مادامت نهايات العصور غالبا ما تثير شعورا بالرهبة، وهذا يطرح أسئلة صريحة وقاسية يتحتم على المجتمعات والدول مواجهتها لتنظيم مصالحها البعيدة المدى.

  واليوم بعد أن ذوت بسرعة الدهشة التي أخذنا بها في التسعينات عندما رأينا دولا تتهاوى ونهايات تبزغ، واستيقظنا بعد سنوات قليلة من انهيار الاتحاد السوفيتي والشيوعية لنجد أن العالم يدور في المنطقة الوسطى بين الانتهاء والابتداء، وها نحن نشهد تحركات لمجتمعات بعيدا عن تأثير الأحزاب والمنظمات والدول كما يحدث في أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزستان وأوكرانيا، وأخيرا في لبنان على نحو يجعلنا نعتقد أن المنطقة العربية ليست بعيدة عما يحدث في العالم.

  إن المجتمعات تواجه أسئلة وتحديات كبرى في تنظيم حياتها وأولوياتها، والدول والمجتمعات العربية بخاصة تحتاج أن تفكر وتستعد لمرحلة قادمة ليست بعيدة لتتعامل مع حالات قد تعصف بكل المنجزات الاقتصادية والتنموية، فثمة إنجازات قائمة لن تبقى بعد عشرين سنة، مثل التقاعد والتأمين الصحي الذي تديره الحكومات، وحينها سيكون حوالي 10% من السكان تزيد أعمارهم على الستين (حوالي خمسين مليون عربي) بحاجة إلى رعاية اقتصادية واجتماعية وصحية وربما لا تكون هناك جهة مؤسسية قادرة على تلبية احتياجاتهم.

  كيف ستواصل المجتمعات العمل الثقافي ورعاية الحركة الثقافية بعد وزارة الثقافة، وكيف ستحافظ على الغابات وتنميها في غياب وزارة الزراعة ودائرة الحراج؟ كيف ستتدبر التعليم الجامعي والثانوي عندما يتحول إلى خدمة تجارية تقدمها شركات استثمارية، وهناك عشرات بل مئات الأسئلة تتعلق بمصالح بعيدة المدى يجب الاستعداد لها، وتأهيل المجتمعات لتكون قادرة على إدارتها وتنظيمها بدون رعاية أو دعم من الحكومات.

  وهي ليست قضايا ترفية ولا تحتمل التأجيل، وإذا لم يكن المجتمع قادرا على أن يرث الحكومة فسوف يقع تحت رحمة مجموعة من قطاع الطرق المتقنعين بقناع مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وروابط ومؤسسات وشركات غير ربحية منتشرة كالطفيليات، لكنها لديها عبقرية القدرة على استدرار المعونات الدولية وعلى افتعال ندوات ومؤتمرات وورش وبرامج لا تتجاوز كلفتها عشر الأموال التي دفعت.

  المجتمع الأهلي الحيوي والقوي والفاعل والذي تقوده طبقة وسطى ممتدة ومبادرة لا أحزابا ومنظمات ونخبا متداعية ومعزولة وآيلة للانقراض وأنشأتها ظروف واعتبارات لم تعد موجودة هو القادر على التعامل الصحيح مع العالمية وتغير مفهوم ودور الدولة.

  وإذا كنا راغبين وجادين في استيعاب صدمة التحولات الجارية حولنا فإن الخطوة الأولى والأساسية في العمل هي التوجه إلى الطبقة الوسطى بمفهومها المجتمعي والشبكي وليس من خلال وسطاء وقادة وممثلين.

  الأردن يملك طبقة وسطى واسعة وممتدة تؤهله لإنشاء شبكة من البنى الأساسية للحكم والإدارة تعتمد على بلديات وحكم محلي ومؤسسات تعليمية وصحية وتعاونية تكون قادرة على التحول والتحرك باتجاه أهداف المجتمع واولوياته واحتياجاته الأساسية، ولكن ما ينقص هذه الطبقة الوسطى إعادة تنظيم شبكية ومجتمعية (وليس منظماتية ومؤسساتية أو حزبية) على نحو يدرك المصالح بعيدة المدى، ويكون مستعدا ببساطة ووضوح لحالة بعد عشرين سنة على الأكثر يملك المجتمع فيها غطاء فاعلا وشاملا يؤمن التقاعد والتأمين الصحي والتعليم الثانوي والجامعي وفرص الإسكان والانتماء والمشاركة والفاعلية الثقافية والاجتماعية بدون دور أو تدخل من الحكومة.

التعليق