الإمبراطورية حين تصاب بالصمم!

تم نشره في الأحد 27 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

ثمة إحساس عند الكثير من المثقفين والمفكرين على صعيد عالمي، أن حال البشرية مع بداية الألفية الجديدة، يشبه إلى حد كبير حال سيزيف أحد أبطال الميثولوجيا الإغريقية الذي عاقبته الآلهة بدحرجة الصخرة إلى رأس الجبل، ولكنها ما أن تصل إلى القمة حتى تتدحرج من جديد إلى القاع. هذه الدحرجة من وجهة نظر البعض هي شاهد على تاريخ دائري ما ملَّ من تكرار نفسه، بصورة أدق، هو تاريخ الصراع الأزلي بين هابيل وقابيل، وما الحرب إلا شاهد على الانحطاط الأخلاقي للقوة الأعظم في العالم، التي لا يزيد حالها عن حال سيزيف بطل الميثولوجيا الإغريقية الذي أتينا على ذكره.

في أعقاب سقوط بغداد واحتلالها من قبل قوات التحالف الأمريكية – البريطانية، كتب الألماني غونترغراس الحائز على جائزة نوبل للآداب 1999، مقالاً في لوس أنجلس تايمز 10/4/2003م تحت عنوان : "الحرب الوقائية والانحطاط الأخلاقي للقوة الأعظم" اعتبر فيه أن الحرب الوقائية "الاستباقية" التي تشنها الولايات المتحدة على صعيد عالمي، هي شاهد على سيادة شريعة القوة والغلبة والفتح، وهي شاهد على عودة عصور قديمة كانت البربرية فيها هي السائدة، فالقوة الأعظم على صعيد عالمي، تمتطي صهوة البربرية، وبذلك تقف على نفس أرضية الآخر/ البربري الذي يقف على الأبواب كما ظن فوكوياما في كتابه " نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ولكنه سرعان ما حاد عن وجهة النظر تلك في كتابه اللاحق عن "نهاية الإنسان" عندما راح يعتقد أن برابرة الداخل الإمبراطوري من شأنهم أن يهدموا سقف التاريخ على من فيه، وأن يكتبوا لنا خاتمة الإنسان والإنسانية معاً، وهذا ما يلحظه غونترغراس، فثمة شبه كبير بين لغة المعتدي ولغة عدوه، من هنا تأكيده المستمر على أن الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الجميع وضد لا أحد، وتتقفز من أجلها بقفازي ملاكم ضد سرب من الذباب بحسب تعبير المفكر الفرنسي اللامع ريجيس دوبريه، ما هي إلا شاهد على الانحطاط الأخلاقي للقوة الأعظم في العالم، هذا الانحطاط الأخلاقي الذي هو موضع إجماع عند عدد كثير من المفكرين الذين يلحظون هذا المرض الطفولي للإمبراطورية الأميركية، هو الذي يدفع بغونترغراس إلى التساؤل: هل هذه هي أميركا التي عرفناها؟ والنتيجة التي يقودنا إليها غونترغراس: إن من يهدد الولايات المتحدة ليس حكومة العراق ولا أسلحة الدمار الشامل المزعومة، بل الرئيس بوش وحكومته، فهما اللذان يضربان القيم الديمقراطية، ويجلبان المصائب ويتجاهلان الأمم المتحدة كما أنهما وهو الأهم اللذان يرهبان العالم بحربٍ تخترق القانون الدولي.

ما يقلق غونترغراس الذي يرفع شعار "لا للحرب ونعم للسلام" أن العالم قد أصيب بالصمم ، وفي هذه الحال "علينا أن لا نخفض صوتنا" كما يقول ، من هنا الحاجة إلى " طبل الصفيح" كما تشهد على ذلك روايته الموسومة بهذا الوسم، فمن شأن طبل الصفيح أن يعيد السمع إلى آذان أصيبت بالصمم من خوفها من هدير القاذفات العملاقة للقوة الأعظم في العالم التي راحت تدفع بصخرة القيم الإنسانية التي حاربت البشرية من أجلها طويلاً باتجاه الوادي مجدداً.

على طول المسافة الممتدة من حرب الخليج الثانية، التي انتهت بتحرير الكويت وانسحاب العراق، إلى حرب الخليج الثالثة التي انتهت باحتلال بغداد، ظل ريجيس دوبريه كمفكر يسعى إلى قول كلمة الحق في وجه سلطان الإمبراطورية وعماها الاستراتيجي الذي يجعل من خطوط الدفاع عن لوس أنجلس وشيكاغو ونيويورك في أفريقيا السوداء والبحر الأحمر وفي قلب أسيا القديمة، أقول ظلّ هذا المفكر يدين الانحطاط الأخلاقي والروحي للنـزعة الإمبراطورية لأمريكا، لا بل أنه راح يبشر بهذا الانحطاط الذي لا يريد له أن يجرف الثروات الإبداعية للقارة العجوز أي أوربا، فمن وجهة نظره أن الإمبراطورية تمتطي صهوة ديناصورات الحديقة الجوراسية (اسم فيلم أميركي شائع من إخراج ستيفن سبيلبرغ) والتي تنشر كل أنواع الفزع والدمار والعنف والفوضى في كل مكان، وهذا ما أكده في مقال له في نيويورك تايمز 23/2/2003م بقوله: إن الحرب الأمريكية سوف تؤدي إلى الفوضى بدل النظام، وإلى الحقد بدل عرفان الجميل وأنها ستوفر لبن لادن فرصة ثانية لا تضاهى، ولكن الإدارة الأميركية كما يمثلها اليمين الجديد المتطرف، لم تصخ السمع لمنطق الحكمة القادم من القارة العجوز، أي أوربا، فقد باتت أوربا القديمة العجوز مثالاً للتندر والضحك على لساني وزير الخارجية الأمريكية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي راح يشيد بالطاقات الخلاقة الواعدة لأوربا الجديدة التي خرجت من عباءة المعسكر الاشتراكي السابق والتي تجد خير من يعبر عنها الرئيس التشيكي فاسلاف هافيل، و ذلك من خلال أطروحة هافيل والتي تبرر تدخل الإمبراطورية بشؤون الدول الأخرى، بحجة حقوق الإنسان وحماية الأقليات؟

"أيها الأمريكيون، لو كنتم تعلمون" هذا هو عنوان المقالة التي نشرها ريجيس دوبريه في الجريدة الفرنسية لوفيغاروعلى حلقتين 5-7/ أيلول / سبتمبر 2003م، و كما يبدو فإن عنوان المقال دال بما فيه الكفاية، فهو مضمر بالقول إن الأميركيين يجهلون العالم، وبالأخص العالم الإسلامي، ولذلك فهم يخلطون بين الاستراتيجية والشعوذة، وغالباً ما تسود الشعوذة على حساب الاستراتيجية، وهذه هي إحدى إفرازات النزعة الإمبراطورية في بحثها عن عدو يضمن لها حيويتها، ويبرر لها عدوانها، خاصة عندما تمتد خطوط الدفاع عن حمى الإمبراطورية من مجاهل آسيا القديمة إلى مجاهل أفريقيا، ومن وجهة نظر دوبريه "أن الأمة العظمى والإمبراطورية العظمى تحتكر لنفسها وبسبب من تمسكها المفرط بالسيادة بالشعور الوطني، غير أنها لا تريد أن تصدر إلا الديمقراطية حينما ووقتما تقتضي مصلحتها".

 بهذا النص القصير ، يحيلنا دوبريه إلى لعبة الإمبراطورية وإلى وجه إيسمود الثاني كما تحدثنا الميثولوجيا الإغريقية عن إيسمود ذي الوجهين ، فالديمقراطية الأميركية التي يكثر الحديث عنها من وزيرة الخارجية غونداليزا رايس وصولاً إلى فؤاد عجمي وكنعان مكية ومأمون فندي بضاعة مغشوشة وبزنس من أجل البزنس كما يقال في حسابات رجال الأعمال ، تصدّر في المناسبات وتدعم عادة بحفنة من الدولارات القليلة التي توزع على الاتباع ، وبالتالي فهي نموذج للخلط بين الشعوذة والاستراتيجية . في حين تحتكر لنفسها حق الشعور الوطني الذي يصبح عاراً وإرهاباً على الآخرين وحقاً مكتسباً للأمريكيين كما رّوجت له هوليوود ويكفي المرء أن يشاهد فيلم " الاستقلال " الذي يمجد روح التضحية عند الأمريكيين دفاعاً عن الوطن ، في حين أن أمريكا تبخسه على الآخرين، وهذا ما يدفع الآخرين إلى كره هذا النزوع الإمبراطوري لدى أمريكا، فالإنسان الحر كما يقول دوبريه ليس معادياً للولايات المتحدة بل لميولها الإمبراطورية، و هذا ما دفع غونترغراس كما أسلفنا إلى التساؤل : هل هـذه هي أمريكا التي نعرفها ؟ ومن وجهة نظر دوبريه أن أمريكا التي نعرفها مصابة بمرض طفولي هو عادة ما يلازم الإمبراطورية منذ نشوئها يدفع عادة نحو التفرد بالقرار ، والانطواء على الذات وهذا ما يفسره سلوك الرئيس الأميركي الذي يجهل العالم ويجهل حتى أسماء قيادييه وهذا ما بات مثالاً للتنذر.

من غونترغراس إلى ريجيس دوبريه إلى عدد كبير من المثقفين في الغرب ممن أعلنوا أن "الحرب ليست باسمنا " ثمة رغبة لاختراق جدار الصمت الذي تفرضه الإمبراطورية من حولها، و ثمة رغبة لقول كلمة الحق في وجه هواة الغولف الذين لا يرون في العالم إلا ميداناً لنزوعهم الإمبراطوري وساحة للتحقق من مدى أسلحتهم الفتاكة. والسؤال هل سيتمكن هؤلاء جميعاً، من لجم جماح الإمبراطورية من خلال اختراقهم لحجب الصمت التي تفرضها الإمبراطورية أم أن الإمبراطورية ماضية في غيها وعدوانها ؟

في مقابلة حديثة مع تزفيتان تودروف نشرتها جريدة لوبوان الفرنسية راح تودروف يؤكد على أهمية صوت المثقف في تغيير العالم، يقول: إن شعوب الكثير من البلدان في العالم ما فتئت تكن العداء والكراهية لأميركا. والحال ان الأفكار والمشاعر يمكن أن تطيح بالإمبراطوريات!

التعليق