البحث العلمي العربي ومتطلبات إنهاضه

تم نشره في الخميس 24 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

    في عالم المعرفة واقتصادها، كما في عالم المال والأعمال، يحتلّ البحث العلمي والتطوير موقعاً مرموقاً ومؤثراً، حيث تشكل المنافسة المحتدمة على السلع والخدمات والمنتجات المختلفة، عنصر الحسم في إمكانيات البقاء والتقدم أو الانزواء والتقهقر.

    وتتسابق الدول الصناعية المتقدمة على تخصيص مبالغ أكبر في موازناتها من أجل البحث العلمي والتطوير، بوصفه استثماراً ذا أرباح هائلة، بينما لا تشكل هذه المخصصات في ميزانيات الدول النامية،ومنها عالمنا العربي، سوى نسبة ضئيلة للغاية. وبحسب ارقام "معهد احصاءات اليونسكو"  للعام 2004 ، فإن مبالغ الانفاق على البحث والتطوير في الدول العربية مجتمعة لم تزد عن 1.7 مليار دولار ، أو ما نسبته 0.3 % من الناتج القومي الاجمالي لهذه الدول، في حين أنفق على البحث والتطوير في دول امريكا اللاتينية والكاريبي 21.3 مليار دولار ( 0.6% من الناتج القومي الاجمالي )، وفي الهند20 مليار دولار
( 7،.% من الناتج القومي الاجمالي )، وفي دول جنوب شرق آسيا الصناعية 48.2 مليار دولار ( 1.7%)، وفي دول الاتحاد الأوروبي 174.7 مليار دولار ( 1.9% ) ، وفي امريكا الشمالية281 مليار دولار(2.7%) وفي اليابان 98.2 مليار دولار ( 2.9%) ، وفي الكيان الصهيوني 6.1 مليار دولار ( 4.7%) .

    ولا يقتصر استثمار الدول المتقدمة في مجال البحث والتطوير على مؤسسات الدولة فقط، بل يتعداه لتقديم الدعم للهيئات والمؤسسات الأهلية، حيث تتكامل العملية الاستثمارية وتترابط حلقاتها بتناغم واضح، الأمر الذي يؤدي الى زيادة التحفيز من أجل اكتساب المعرفة ورفع مستوى الابداع والاكتشاف والاختراع. هذا إضافة إلى ما تخصصه المؤسسات والشركات الخاصة من ميزانيات عالية للبحث العلمي والتطوير( وصلت نسبة مساهمتها في اليابان مثلاً الى 73% من مجموع ما أنفق على البحث والتطوير في العام 2001 ). 

    ولقد أشارت دراسة مقدمة من عدد من الاساتذة الجامعيين الى ورشة عمل " البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي " ، وهي واحدة من عشر ورشات عمل عقدت في الآونة الأخيرة في نطاق التحضير لـ " المؤتمر الوطني الأردني للتعليم العالي والبحث العلمي " المقرر انعقاده في أيار القادم ، إلى أن " البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي يشكل إحدى مهام أعضاء هيئات التدريس الأساسية الثلاث إضافة إلى التعليم وخدمة المجتمع ، وان البحث العلمي في الجامعات هو نتاج أعضاء هيئات التدريس الذين يشكّلون اكثر من 80% من العاملين في حقل البحث العلمي في الأردن " .

     وهذا يعني ضآلة إسهام شركات ومؤسسات القطاع الخاص في البحث والتطوير ، وانقطاع الصلة بينهم وبين الباحثين من أعضاء هيئات التدريس الجامعية ، مما يجعلنا نتساءل عما تحققه الأبحاث الجامعية من فائدة للمجتمع بعامة، وللقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والخدماتية بخاصة، فما فائدة مثل هذه الأبحاث القيّمة ان بقيت حبيسة الأدراج أو الرفوف، أو لم توضع في خدمة التطوير والتنمية الشاملة .

    تجدر الإشارة إلى أن الباحثين الجامعيين يعانون من إشكالات ونواقص تعيق نشاطهم البحثي، وتجعله قليل الفائدة، ولا يتناسب مع قدراتهم المفترضة والواقعية. وقد حددت الدراسة المهمة المشار إليها آنفاً الواقع الحالي للقوى البشرية ذات العلاقة بالبحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي في الأردن بما يلي :

1. قلة عدد الباحثين المتفرغين بالرغم من وجود نظام خاص بهم في الجامعات .

2. عدم إعطاء الفرصة لحملة الدكتوراه من الخريجين الجدد على التدرب على البحث العلمي وانخراطهم مباشرة في عملية التدريس .

3. النزعة الفردية لإجراء البحوث وندرة تكوين فرق بحثية متكاملة .

4. إرتفاع نسبة عدد الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس عن النسب العالمية المتعارف عليها.

5. انشغال عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس في العمل الإضافي .

6. قلة عدد طلبة الدراسات العليا الذين يتدربون على البحث العلمي للاستفادة منهم بوصفهم قوة عاملة نشطة في مشاريع البحث العلمي التي يشرف عليها أساتذتهم .


7. ندرة الفرص المتاحة لمساعدي البحث والفنيين للتدرب في الدول المتقدمة على التعامل مع الأجهزة المتخصصة وصيانتها في المختبرات البحثية .

    إن واقع البحث العلمي والتطوير في الأردن والوطن العربي بعامة، لا يتناسب مع الامكانيات البشرية والمادية الكبيرة المتوفرة، مما يعني ضرورة إزالة المعوقات التي تقف حائلاً دون الانخراط النشط في البحث العلمي والتطوير المستمر في جميع هيئات ومؤسسات المجتمع .

    ويتطلب ذلك إعادة النظر في أساليب التدريس في المراحل التعليمية المختلفة وبخاصة في المرحلة الأساسية، حيث ينبغي التخلّص من أساليب التعليم التلقيني وإطلاق العنان للفكر والتأمّل والإبداع، وخلق ثقافة البحث العلمي.

    كما يتطلب ايجاد المناخ المناسب للبحث في كل بلد عربي، وفيما بين الدول العربية مجتمعة، عن طريق " بناء إدارات فاعلة ومؤثرة ، وبنى أساسية ملائمة، وكوادر بشرية مدربة، وتخصيص ميزانيات كافية لإطلاق القدرات البحثية والعلمية، وإيجاد قواعد معلومات غنية، ووسائل اتصال متطورة، وسن تشريعات ملائمة لخلق بيئة بحثية مناسبة " .  

التعليق