الإعلام الفضائي و"الجماهير": "الاحتجاج بالريموت كنترول"!

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

       عمل الإعلام الفضائي الإخباري على تحقيق مفارقة مزدوجة غريبة. الوجه الأول لتلك المفارقة هو تمكنه من زيادة الوعي السياسي والإجتماعي والثقافي في البلدان العربية بدرجة يقر بها الجميع. فعبر كسر الأسقف المنخفضة لحرية التعبير, وتجاوز التابوات العديدة, وخاصة السياسية, أصبح الفرد العربي يطل على طيف من القضايا الحساسة التي ما كان بإمكانه أو مسموحاً له الإطلال عليها. على المستوى المحلي وفي غالبية الأقطار العربية تمكن هذا  الإعلام من نفض جزء لا يُستهان به من العفن المتراكم عبر عقود, والمتستر عليه من قبل الإعلام الرسمي الحكومي. إضافة إلى أنه نافذة تتملص إليها الأصوات الممنوعة من التعبير في الإعلام الرسمي, فصارت المعارضات السياسية ترى لها منفذا, ولو خارجياً, تطل من خلاله على مجتمعها الذي تنتمي إليه وتتسيس من أجله.

      على المستوى الإقليمي العام, يمكن القول هنا ان هذا الإعلام الفضائي أعاد إنتاج وعي عروبي عابر للحدود على درجة كبيرة من الأهمية. إذ تعوربت القضايا العربية كما لم تتعورب في السابق أبداً, لجهة عمق المتابعة وعمق الفهم لها, أو لجهة اتساع رقعة المتابعين. أنتج ذلك مزاجاً ووجداناً تضامنيين لا يمكن تغافلهما, هذا فضلاً عن التقريب في اللغة والثقافة والفن. في القضايا الرئيسة, صار الفرد في بلدان المغرب العربي يتابع على الهواء مباشرة ما يحدث في فلسطين والعراق, والفرد في لبنان ومصر أصبح على إطلاع غير مسبوق بالقضايا الجزائرية والمغربية. وهكذا عندما تتفاقم أزمة مثل أزمة دارفور في السودان, أصبح من اليسير المعرفة بها ومتابعتها لفرد في البحرين أو الإمارات, وهكذا.  هذا كله من سمات الوجه الأول من المفارقة المزدوجة التي وسمت الإعلام الفضائي الراهن.

     بيد أن الوجه الآخر للمفارقة المزدوجة هو أن ذلك الوعي السياسي المهم والمتراكم عند الفرد في البلدان العربية, والناتج عن تأثره بالإعلام الفضائي, وخاصة إزاء القضايا الحساسة التي تمسه مباشرة مثل الفساد في بلده, أو الإستبداد, أو التهاون بإستقلال البلد لصالح التدخل الخارجي, لم يتطور لدرجة حثه على الفعل الإيجابي السياسي والإجتماعي, وبقي وعياً سالباً. فمثلاً, لم يتراكم الغضب والنقمة إزاء موضوع ما إلى درجة الخروج إلى الشارع للتعبير المباشر عن ذلك الغضب, أو للبحث عن التغيير وطرحه عملياً وليس فقط صوتياً – هذا من دون إغفال بعض الإستثناءات هنا أو هناك, لكنها لا ترقى لأن تصبح ظاهرة.

     وبدا وكأنما قد تنامى في اللاوعي العام شعور مفاده أن مجرد متابعة الأحداث الساخنة والتنفيس عن الغضب المحتقن إزاءها هو نوع من المشاركة الفعلية في الإحتجاج (أو المقاومة). وهكذا تطور نوع سالب من المشاركة يمكن تسميته "الإحتجاج بالريموت كنترول" وهو يتم من البيت أو مكان العمل وأثناء رشف فنجان قهوة أو لعب طاولة نرد! تتم "المقاومة" عبر الريموت كنترول من خلال التنقل بين القنوات لمتابعة مزيد من التفاصيل بشأن قضية ساخنة معينة, وصب المزيد من اللعنات على الوضع العام, أو في الحالات القصوى عبر الإتصال بالهاتف والمشاركة في برنامج حواري محدد. بل قد تطور لدى كثيرين من الناس نوع من الإدمان على البرامج الحوارية والإخبارية وصار قضاء عدة ساعات يومياً من لوازم العادات التي لا مناص منها.

     وهكذا صار بالإمكان القول أن "الشارع العربي انكمش (انسحب) إلى البيوت" بدل أن تخرج البيوت أو من فيها إلى الشارع للمشاركة في العمل العام أو للاحتجاج على ما لا ترضى عليه. ويمكن الإشارة إلى بعض الشواهد الحديثة هنا: فمثلاً لم تخرج مظاهرات عارمة في الشوارع العربية احتجاجاً على حرب العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة. والمظاهرات الرمزية البسيطة التي قد تكون خرجت في هذه العاصمة أو تلك لا تقارن بالمظاهرات المليونية التي طافت شوارع لندن, وباريس, ومدريد, وروما, وحتى واشنطن نفسها. لقد لجأت ملايين العرب في عملية نزوح سلبية غريبة إلى داخل البيوت لتلتصق بالفضائيات العربية ولتتابع لحظة بلحظة التحضير للحرب ومن ثم مشاهدتها, عوض أن تفكر بالاحتجاج ضدها. وينطبق الأمر على شواهد كثيرة مثل محاصرة واجتياح مخيم جنين خلال الانتفاضة الثانية في نيسان (إبريل) 2002, حيث لم تخرج مظاهرات حاشدة في العواصم العربية إلى الشارع لتعبر عن غضبها أو تحاول القيام بشيء ما.

      ولتوضيح هذه النقطة أكثر, أي سلبية المشاركة, من المفيد مقارنة الوضع الحالي والسكوت على انحرافاته في الكثير من البلدان العربية بحقبة الثمانينات, أي حقبة ما قبل الإعلام الفضائي. في تلك السنوات, وخاصة في أواخر ذلك العقد, من المفيد أن نتذكر أن العديد من البلدان العربية شهدت انتفاضات وهبات شعبية جزئية في عقد الثمانينات مدفوعة بعوامل احتجاج أو نقمة, مثل هبة نيسان في الأردن سنة 1989, أو انتفاضة الخبز في تونس, وكذا في المغرب ثم ما حدث ونعرفه جميعاً في الجزائر. آنذاك لم تكن هناك فضائيات تغطي الحدث لحظة بلحظة, ولكن الفعل الإجتماعي كان أكثر حيوية وتعبيراً عن ذاته, ولم يقع أسير المتابعة اليومية للشاشات والتي جمدته عن الفعل ونفست طاقته التعبوية. ولعل ما يزيد تلك المفارقة سطوعاً هو أن الإستثناء الأهم والكبير لجمود حركة الشارع العربي في ما شاهدناه جميعاً على الساحة اللبنانية من خروج مئات الألوف إلى الشوارع مطالبين بخروج سورية مثلاً, أو تأييداً لحزب الله قد تم على صعيد قضية مفاجئة هي اغتيال رفيق الحريري تطورت حيثياتها بصورة سريعة, ولا يستطيع أحد أن يزعم بوجود أثر للإعلام الفضائي في التأثير فيها. أين إذن هو تأثير ذلك  الإعلام في تحريك الشارع إزاء أية قضية رئيسية تواجه الشعوب العربية. وينطبق هذا على القضايا العربية الكبرى مثل فلسطين والعراق, والقضايا المحلية المتعددة مثل الاستبداد, والسجناء السياسيين, والفساد, وارتشاء الحكام والمسؤولين, وغير ذلك من قائمة تبدأ ولا تنتهي, ولم تكد واحدة منها تفلت من دون تغطية تلفزيونية ناقدة من قبل الفضائيات.

      الجواب على ذلك السؤال مركب, وغير مباشر, لكن أحد أهم جوانب الإجابة هي أنه من غير الإنصاف إلقاء اللوم برمته على الفضائيات في تجمد الفعل السياسي والإجتماعي الذي نتج جزئياً وبشكل غير مباشر عن كثافة البث الفضائي الإخباري. بل إن اللوم يقع على غياب الحوامل الإجتماعية للوعي المتراكم الذي يحدثه الإعلام. فالمشهد يشير إلى أن الفاعلية في النقاش والحوار والتسيس الكبير على شاشات الفضائيات لا تنتقل إلى أي مرحلة عملية على أرض الواقع تلتقط روح التسيس والرغبة في التغيير التي تم التعبير عنها "تلفزيونياً وفضائياً". فهناك فراغ سياسي وآلياتي كبير في المجتمع العربي لا يساعد على تجسير أي وعي نظري يساهم في تطويره الإعلام الفضائي إلى واقع فعلي. وهذا الفراغ يكشف ظهر الفضائيات فتبدو وكأنها تساهم في تعطيل الفعل الإجتماعي السياسي من حيث أرادت أن تساهم في تفعيله.

التعليق