إبراهيم غرايبة

هشام شرابي وصور الماضي

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

إبراهيم غرايبة
     تقدم قراءة كتاب هشام شرابي "صور الماضي" آفاقاً جديدة وجميلة، وعودة إلى استكشاف الماضي والتعرف إلى الخطوط والمعالم التي حددت حياة شرابي والتي ما زالت تنبع من السنين التي عاشها في فلسطين، فهذا الرجل الذي عاش حوالي ثمانين عاماً أمضاها في البحث والفكر هو قادر بالتأكيد على أن يجد في تجربته الذاتية الكثير من التجارب والأفكار، ويمكن أن تكون سيرته الذاتية إعادة لقراءة التاريخ.

     وقد وصف شرابي مذكراته وهو يكتب مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب بتصوف مؤثر ربما بتأثير مشاعر جاء بها مرض السرطان الذي اكتشفه الأطباء في جسمه، فيقول: "ليس الماضي مجرد ذكريات بل إنه إعادة لقراءة التاريخ، ذاتياً كان أم عاماً، خطوط الذات ومعالم الأحداث تتغير كلما أعيد النظر فيها. الأنا التي نسكنها ليست وحدة الذات التي نتصورها في مخيلتنا. إنها تدفق لحظات الزمن المعاش. ما يجيش في الصدر من عواطف عابرة، وما يتشكل في الذهن من أفكار متحولة، وما يتبقى في الذاكرة من صور زائلة، كلها تغيب وتحضر لا حسب ما تريده إرادتنا الواعية، بل حسب ما يجلبه الحظ وما تقرره الظروف والصدف. الأنا شبح هائم لا يعرف ذاته.

       الطرق الخفيف يذكرني أن الحياة لا تفضي إلى شيء. تتوقف فجأة كالشريط السينمائي، فلا يفسح لنا مجالاً لمغادرة لائقة، أو كلمة أخيرة. من هنا صور الماضي التي أستعيدها مشاهد ومشاعر وأفكاراً في صيغ وكلمات لا تلبث أن تفلت، وتتلاشى، ولا تعود إلى الحياة إلا عندما تقع عينا قارئ أو قارئة على هذه السطور وهذه الصور."

       ولد د. هشام شرابي في يافا، وأمضى طفولته في بيت حده في عكا، ودرس في  مدرسة الفرندز ثم الانترناشيونال كولدج في بيروت، وتخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت عام1947، وهو أستاذ تاريخ الفكر الأوروبي في جامعة جورجتاون في واشنطن، وله مؤلفات عدة بالانجليزية والعربية، منها: المثقفون العرب والغرب، ومقدمات لدراسة المجتمع العربي ، النقد الحضاري للمجتمع العربي في القرن العشرين ، والسياسة والحكومات في الشرق الأوسط، والدبلوماسية والاستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، والرحلة الأخيرة، النظام الأبوي.

        وكنت أنوي أن أعرض سيرة الدكتور شرابي كما وردت في كتابه، ولكن استوقفتني كثيراً تأملاته الفلسفية والصوفية فوجدتها تستحق ان تفرد في هذه المساحة، ولعلي أعرض لسيرته في مقالة أخرى.

         ما الأفكار والهواجس والمشاعر التي تقتحم الإنسان عندما يعرف أنه مصاب بمرض السرطان؟ بماذا يستعد الإنسان للموت؟
يقول شرابي : كلما اقتربنا من المرحلة الأخيرة من حياتنا ازداد تذكرنا للماضي، وتقلص المستقبل بازدياد تجاهلنا له. لا لعدم اهتمامنا به بل لخوفنا من نفاده. فإننا بتجاهل المستقبل نرغب في تثبيته على الشكل الذي أردناه طيلة حياتنا امتداداً لا نهاية له، يحقق لنا أهدافنا وأحلامنا، هكذا يبقى المستقبل إلى أن نستفيق عند شمس المغيب.

        كنت في هذه السنوات الأخيرة أذكر نفسي بين الفينة والأخرى بأن المرحلة الأخيرة على الأبواب. وأنه يجب التوقف والتفكير، غير أنني لم أتوقف ولم أفكر. بقيت على انشغالي . وفجأة وجدت نفسي تجاوزت منتصف الستينات من عمري.
         هناك الكثير ـ يقول شرابي ـ من المؤنس الجميل في هذه المرحلة من العمر، كالتحرر من عبودية المستقبل ومن رغبات الجسد، وشهوة الشهرة، وجاه المركز، لكن أجمل ما في العودة إلى النفس وتأطير الحياة في ماض نمتلكه. من هنا الرغبة الجارفة بالعودة إلى الماضي وتقصي معالم الحياة التي عشنا معظمها في غفلة عن أنفسنا.

ذترك هشام شرابي بلده فلسطين وهو في العشرين من عمره، وهاجر إلى أمريكا عام 1949 بعد إعدام أنطون سعادة رئيس ومؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي كان شرابي ينتمي إليه وتشكلت فيه أفكاره وأحلامه، لقد كانت الهجرة البديل الوحيد للسجن أو الإعدام لأبناء جيله من المثقفين ممن التحق بحزب والتزم بعقيدة فقد كان من المستحيل لهؤلاء أن يعيشوا حياة طبيعية، طريق الحزب القومي السوري كانت باتجاه واحد: الانتصار (امتلاك السلطة) أو الاندثار. كانت لغة أنطون سعادة لا تقبل المساومة، ولا تقبل إلا الصيغة المطلقة، "كم مرة في الأشهر الستة الأخيرة قبل إعلانه "الثورة القومية الاجتماعية الأولى" سمعت سعادة يعلن في الاجتماعات الحزبية أن ساعة الحسم قد اقتربت" .

        يقول شرابي أنه رغم مضي أكثر من أربعين سنة على هجرته إلى أمريكا فمازال كمسافر يملأ الحنين قلبه منذ اللحظة التي يغيب فيها ساحل بلاده عن ناظريه، ويعيش محكوماً بالآني والعابر، حقائبه دائماً معدة، ينتظر ساعة العودة ، وقد كان ينوي أن يعود نهائياً إلى بيروت، وبدأ ببناء بيته هناك، وكان على وشك أن يقدم استقالته من جامعة جورجتاون، ولكن الحرب الأهلية قامت وما زالت أساسات بيته قائمة حتى اليوم ولم يكتمل البيت، "الواقع الذي عشته هنا أكثر من أربعين سنة ما زال عاجزاً عن امتلاكي".

       هذا الارتباط بالوطن يعيده شرابي على الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي غير مفهوم الحزب جذرياً من المفهوم التقليدي القائم على شعارات أبوية تقليدية إلى حركة قومية اجتماعية شاملة قائمة العقلانية والالتزام الهادف. ولكن الاغتراب الذي حرم شرابي من العمل المثالي العام جعله يتم دراسته العليا ويحصل على الدكتوراه وكان قد قطع دراسته وعاد إلى بيروت ليفرغ للعمل العام إلى جانب أنطون سعادة، وعندما أعدم سعادة عاد شرابي إلى دراسته في أمريكا، ولولا ذلك لربما كان أحد الحزبيين الذين أعدموا أو دجنوا واندمجوا في الحياة العربية العادية.

     عاش شرابي كما يصف نفسه عيشة آمنة مطمئنة ومرضية على الصعيد الشخصي، و"لم أضح من أجل وطني" ولكن حياته بقيت مليئة بالإحباط، وكان سبب الإحباط الذي شعر به في نهاية حياته الناشطة هو عدم تمكنه من العودة إلى وطنه والتوصل إلى موقع يستطيع من خلاله المساهمة الفعالة في قضاياه.
     سيرة شرابي يمكن اختصارها بسؤال هل يمكن أن يعوض الوطن؟ 

التعليق