النقابات والحكومـة: الخروج نحو المرجعية الديمقراطية

تم نشره في الخميس 17 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

     يدخل الخلاف بين النقابات المهنيـة والحكومـة مرحلـة جديدة قريبـة من الحسم بإحالة القانون موضـوع الخلاف إلى مجلس النواب الذي نزع عنه صفـة الاستعجال، وهي فرصة تاريخية للمجلس الكريم لاعادة ثقـة الشارع الأردني به.

    ولعل الطريقة التي سيعالج بها المجلس هذه الأزمة ستترك اثارها الكبيرة على واقع الحياة النيابيـة في الأردن، وعلى نظـرة المجتمع الأردني ونخبـه للأداء النيابي الذي تعرض لانتكاسات متتاليـة خلال الدورات الماضيـة.

       من خلال مراجعـة سريعـة للأزمات التي دخلتها الحكومات الأردنيـة على مدى أكثر من عقد ونصف مع اطراف في مقدمتها النقابات المهنيـة عبر مسيرة التحـول  الديمقراطي،  كان ثمـة حسابات تدخل في خانة الألعاب الصغيرة ضمن نظريـة اللعبـة السياسيـة اذا انطبق الوصف على هذه الحالـة، وهي حسابات مارستها المعارضـة السياسيـة التي تمثلها النقابات في غياب تبلور ناضج لمؤسسات سياسيـة أخرى، كما تمارسها الحكومات باختلاف برامجها والقيم التي تحرك رموزها، قواعد اللعبـة التقليديـة بما فيها من أجندات سياسيـة وأبعاد أمنية وارتباطات خارجيـة وهي جميعها مفردات تحرك اللعبـة السياسيـة المحلية وجميعها تتضاءل أمام المصالح الوطنية بمفهومها الموضـوعي.

 أي أن الدارس لتطور الأزمات بين الحكومـة والنقابات يستنتج ببساطـة، أننا لم نخرج من هده الأزمات بفوائد حقيقيـة في تطوير الأداء السياسي لكل من المجتمع المدني من جهـة والحكومـة من جهـة أخرى، في كل مرة تصر الحكومات على مواقف متعنتة وتظهـر ولسان حالها يقول أنها تحتكـر الحقيقـة وحدها وتجدف خارج الزمن السياسي السائد، وتظهر النقابات والمجتمع السياسي الذي يقف خلفها وأمامها دون قضيـة وطنيـة حقيقيـة سوى الشعارات واستثمار حالـة الاغتراب السياسي العامـة التي تجتاح المنطقـة بأكملها.

     اللعبة السياسية في الديمقراطيات تتطلب استراتيجية واضحة من كل طرف وفهم مشترك لقواعد اللعبة وهذا ما نفتقده، وتتطلب نفس المدلول لقيم الكسب والخسارة وهذا ما نفتقده أيضاً حينما تتحول المعارضة والممانعة إلى مجرد رغبة في الاصطدام والنيل من الآخرين، وبالقراءة الأولية نصل إلى ضرورة ملحة تستدعي الخروج من قواعد اللعبة التقليدية الممتدة عبر مواسم الشد وانغلاق الأفق والتأزم غير المبرر، مما يستدعي البحث عن قيم الجديدة تخدم الحياة السياسية الأردنية.

    إن النقابات المهنية مؤسسات مجتمع مدني وطنية تضم اليوم حوالي (130) ألف منتسب يشكلون الركن الأهم في قوى الإنتاج والتغيير ويمثلون بأسرهم حوالـي (15?) من المجتمع الأردني، وبدون شك لهم حق المشاركة السياسية، والقول بحصر هذه القوى المجتمعية في بيوت الخبرة وإغلاق أبواب هذه البيوت عن أزمات الوطن وهمومه فيه نوع من الانتقاص، لكن دور النقابات باعتباره قوة مجتمعية كبيرة لا يتوقف عند المشاركة السياسية فقط ، إن الأسئلة الغائبة في رحى هذا الصراع تتعلق بالمفهوم الأوسع للمشاركة بأبعادها المجتمعية والتنموية والاجتماعية والثقافية والتي طالما غابت عن برامج عمل النقابات المشحونة دوماً بالمواقف الأيديولوجية والحروب الباردة والساخنة مع الحكومات ، فالقوة المالية الضخمة للنقابات لم توظف في خدمة التنمية الوطنية بشكل مناسب يعود على المجتمع الأردني بشكل عام وعلى النقابات بشكل خاص ويمنح النقابيين أوراقا رابحة في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، لم تقم النقابات بإنشاء جامعة تقنية ضخمة أو مستشفيات عملاقة متخصصة أو مؤسسـة ثقافيـة كبيرة أو تستثمر في مشاريع استراتيجية وطنية فموجودات صندوق تقاعد نقابة المهندسين وحده يوفر قرابة مئة مليون دينار، لقد فوتت النقابات على نفسها فرص النمو التاريخي الصحي في الإسهام المؤثر والقوي في الحياة العامة، حينما أصبحت المشاركة السياسية الناقصة عبئا عليها اكثر من كونها حقا لها.

     وبدخول مجلس النواب على الخط هذه المرة في صيغة القانون المطروح والذي يهدف إلى تفريغ المضمون المتواضع للمشاركة السياسية للنقابات، يجدر النظر من زواية القراءة الثانية للمصالح الوطنية بأن لا تحصر بحضور الإسلاميين أو خروجهم وبالتلويح بقوائم المطبعين وغيرها، هناك الفرصة أمام مجلس النواب للإسهام بشكل إيجابي في الحياة السياسية بدراسة هذا القانون والتشريع للتمثيل النسبي ومأسسة أدوات رقابية فاعلة على مالية النقابات.

     اننا أمام فرصـة هامـة ومتاحـة لمجلس النواب والحكومـة والمجتمع السياسي الأردني لانجاز واحدة من المهام الأساسية في حركـة الإصلاح والتنميـة السياسيـة، وهي لا تعني فقط التخلص من صيغـة الصوت الواحد ولا مجرد احتواء قوى سياسيـة واعادة هضمها، بل أهم ما تعني توفير المنهج لادارة أزمات التنميـة السياسيـة وفرض هيبـة واحترام المرجعيـة الديمقراطيـة في فض تنازع المصالح داخل المجتمع السياسي الواحد. 

التعليق