حق التضحية بالآخر؟

تم نشره في الثلاثاء 15 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

     الديمقراطية هي الآخر، لنقل مع الفيلسوف والمهندس الفرنسي بول فيريليو،فليست الديمقراطية أن نكون وحيدين، وأن يتحطم على أوثان وحدانيتنا الآخرون،خاصة وأن تاريخ البشرية، وعلى مدى ستة آلاف عام، كان مشروعاً للأنا على حساب الآخر، وبخاصة فيما يتعلق بالتاريخ الأوروبي-الأميركي، تاريخ الفتوحات، وهذا ما يؤكده تزفتان تودوروف في " فتح أميركا " من أن كل محاولة لاكتشاف الآخر، كانت تنتهي بالاستيلاء عليه وتدميره.

 و هذا ما يقوله منير العكش في كتابه الجديد " أميركا والإبادات الجماعية 2002 "، والذي يعتبر أول مؤلف في العربية يطال تاريخ الفتوحات الأميركية في القارة الأميركية، بمعنى آخر، تاريخ إبادة الهنود الحمر، والذي يكمل به تقليداً عريقاً في المكتبة العالمية، يمتد من روجيه غارودي إلى نعوم تشومسكي إلى تزفتان تودوروف إلى المخرج السينمائي مايكل مور في كتابه الجديد " رجال بيض أغبياء 2003"، والذي عارض فيه الحرب التي شنّها الحلفاء على العراق، بخطط مبيتة وأسباب واهية كما يتضح هذه الأيام.


      لم أكن أعرف من هو منير العكش، حتى قرأت أول مقالة له في مجلة المستقبل العربي العدد /297/ 11/2003 الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بعنوان " خلفيات رسالة الهندي الأحمر إلى شعب العراق ". وطبعاً بعد احتلاله. الرسالة ذات طبيعة ساخرة كتبها الزعيم الهندي وأستاذ الانتربولوجيا جورج واسون من قبيلة كوكيلCoguill  إلى الشعب العراقي بعد احتلاله، والرسالة تحمل مجموعة من الوصايا الساخرة ( عشر وصايا على طريقة العهد القديم) تقول إحدى الوصايا: يا شعب العراق، إن كلا منكم سوف يقطع مائة فدان من صحراء العراق، ولسوف يعطي محراثاً ونسخة من ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدس. أما ما سيتبقى من أراضي العراق بعد توزيع الصحراء، فسيتحول إلى مستوطنات إسرائيلية، ويضيف واسون بتهكم في وصية أخرى " إن المبشرين المسيحيين الذين تدفع لهم الدولة رواتبهم وكل نفقاتهم سيتولون تعليمكم وخدماتكم الاجتماعية. وبالطبع، فإن العراقيين الذين يدخلون في دين المسيحية هم وحدهم الذين سيتمكنون من الحصول على وظيفة ".


       أعود للقول، إنني كنت أظن المؤلف من الهواة، ولكنني عندما قرأت كتابه، أدركت عمق العلاقة الإنسانية التي تربط المؤلف بالهنادرة ( الهنود الحمر) وقادتهم ، وأنه قد كرس وقته للكتابة عن الهنود الحمر بعد أن درس تاريخهم وثقافتهم، وهذا أمر مهم لنا نحن العرب ، بعد أن أصبحنا هنود حمر هذا الزمان .


       العنوان الفرعي لكتابه هو : حق التضحية بالآخر، وهذا هو تاريخ أميركا المعاصرة ، فالآخر لا يزيد عن كونه موضوعاً للتجربة، لنقل مع أحد النقاد لتاريخ الحروب الأمريكية ، فأراً أبيض للتجربة، تطبق عليه أحدث المبتكرات في حقل الأسلحة الفتاكة .


       الكتاب كما أسلفت، يكمل تقليداً عريقاً في فضح الوجه الآخر لدعاة الحرية و الديمقراطية، فتاريخ أميركا هو تاريخ الإبادة الجماعية، لنقل مع نورمان فنكلشتين في كتابه الرائع " صناعة الهولوكوست " تاريخ الاستبداد والإبادة بمن هم أقل الناس قدرة على حماية أنفسهم، ويعلق فنكلشتين بقوله : ذلك هو المضمون الحقيقي للشجاعة المستعادة للحركة الأميركية اليهودية المنظمة ؟؟.


        من وجهة نظر كثير من الباحثين، أن قاسماً مشتركاً يجمع، بين قادة فتح أميركا و ما يفعله الصهاينة في فلسطين، ففي كنعان الجديدة ، أي أميركا، كان كريستوف كولومبس يتصرف كأنه أحد أبطال العهد القديم، لا بل أنه وهو في كنعان الجديدة البعيدة، يفكر كما يكتب الى الملك الأسباني بأنه سيجمع أكبر كمية من الذهب، ليساهم في تجنيد حملة لتحرير القدس، وهنا يستغرب تودوروف من هذا الهاجس الصليبي الذي يحكم سلوك كولومبس وهو في أرض كنعان البعيدة ؟


        هذا القاسم المشترك هو ما يشغل منير العكش، ففي فصل خاص بعنوان " المعنى الإسرائيلي لأميركا " يكتب العكش : إن فكرة أميركا، فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة " عبر الاجتياح المسلح وبمبررات " غير طبيعية " هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. وإن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها


(الإسرائيليين، الشعب المختار ، العرق المتفوق ) وضحاياها ( الكنعانيين، الملعونين،المتوحشين البرابرة ) ومسرحها ( أرض كنعان، وإسرائيل ) ومبرراتها ( الحق السماوي أو الحضاري ) وأهدافها ( الاستيلاء على أرض الغير واقتلاعه جسدياً وثقافياً – من فكرة إسرائيل التاريخية. هذا الاعتقاد بأن هناك قدراً خاصاً بأميركا وأن الأميركيين هم الإسرائيليون الجدد و " الشعب المختار " )  يضرب جذوراً عميقة في الذاكرة الأميركية وما يزال صداه يتردد في اللغة العلمانية الحديثة أو ما صار يعرف بالدين المدني . إنه اعتقاد يتجلى لعينيك في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأميركيون ومفاده أن " إرادة الرب، القدر، حتمية التاريخ … إلخ".اختار الأمة الأميركية (الأنكلوسكسونية المتفوقة ) وأعطاها دور المخلص (الذي يعني حق تقرير الحياة و الموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل ) ص125.


      لا يكتفي منير العكش بذلك، فهو يسرد لنا تاريخ الإبادة والتذويب الثقافي للهنود، فقد صارت ثقافة الهنود الحمر مضرة بالمصلحة الوطنية العليا الأميركية، ولم يعد الهنود إلا لحناً نشازاً في ثقافة أميركية ما ملّت من القول بالتعددية والاختلاف الثقافي، وكان الواجب الحضاري والثقافي كما يزعم قادة الفتوحات ومن تبعهم من اللاحقين، أن المطلوب هو تدمير الهندية ( كثقافة و حضارة ) وإعادة بنائها بحجارة التاريخ الأبيض والدين الأبيض واللغة البيضاء .


        يذكر تودوروف في أرشيفه الغني عن فتح أميركا الحادثة التالية، أن قادة فتح أميركا أرسلوا خمسة من الهنود الحمر، إلى الملك الأسباني ليتأكد من أن لهم أرواحاً أم لا،فما كان من هذا الأخير ،إلا إخضاعهم للتجربة بغطسهم في حوض من الماء ليتأكد من أن لهم أرواحاً أم لا ؟ و كانت النتيجة أن ليس لهم أرواح، فلا بأس من إبادتهم. وهذا هو منطق الإبادة الذي حكم حتى تقارير كبار المثقفين الغربيين وأولهم كارل ماركس، الذي دعا في رسالة شهيرة إلى تدمير الهند وإعادة بنائها على غرار الغرب ؟؟؟.


        يرى منير العكش أن إعادة بناء الهندي وصياغته من جديد ليتلاءم مع المصلحة الوطنية الأميركية العليا، تقتضي صياغة وعيه وذاكرته وأخلاقه ومسلمات عقله بحيث لا يبقى من هنديته إلا البيولوجيا، وإذا تعذر قتل الجسد لا بأس من استبطان الموت، ولا بأس به كائناً طافحاً بالمحو ومزيناً بالريش، أو تمثالاً حجرياً منصوباً فوق قبة الكابيتول "رمزاً سادياً للحرية " ولا بأس أن يعرف هذا الهندي كل شيء إلا ذاته، وفي هذا الإطار اعتبرت الشعائر الروحية للهنود خطراً وتم تحريم ممارستها.

 وهنا يعلق العكش بقوله. هكذا يمارس الهندي اليوم شعائر روحية منتقاة بأسلوب يتناغم مع " المصلحة الوطنية "ومع البرامج السياحية التي ينظمها البيض.


      هذا هو منطق التضحية بالآخر، والذي يريد أن يجعلنا نحن سكان الضفة الشرقية و الجنوبية للمتوسط ، هنوداً حمراً وفولكلوراً أميركياً كما كتب محمود درويش، فهل يتعظ الضحايا بمنطق الفاتحين الجدد في أرض كنعان البعيدة والقريبة ؟

التعليق