أزمة النقابات: نبض الشارع لم يمت بعد

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

      أثار قرار الحكومة الاخير والمفاجىء، بفرض انتخابات "الصوت الواحد" على النقابات المهنية التي تمثل كافة شرائح المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حراكا شعبيا واسعا أعاد تذكيرالجميع، حكاما ومحكومين، بان نبض الشارع الاردني لم يلفظ انفاسه الاخيرة بعد، وان كان يمضي جل  ايامه في حالة من الغيبوبة البراغماتيكية.
 
      وربما يأتي اليوم الذي تترحم فيه الحكومة الاردنية، حاليا ولاحقا، على مسيرة تحييد المعارضة المستمرة، خاصة ذا ما تعاظمت الضغوط الخارجية او تلك الناجمة عن متطلبات الديمقراطية الجديدة التي تحاول امريكا فرضها على المنطقة، مبنية على سلام مع اسرائيل بين غالب ومغلوب، ودعم لا متناه لهيمنة اميركا على المنطقة.

 ونذكر هنا نجاح الحكومة الاردنية باستعمال حجة الرأي الشعبي لعدم الانخراط في موقف داعم للخيار العسكري ابان  ازمة 1990، عندما اعترف أحد كبار المسؤولين الاردنيين بقوة المعارضة قائلا: لو لم تكن هناك معارضة في الاردن، لخلقناها، لمساعدتنا على مواجهة ما لا نقدر على تنفيذه.
 
     فالقضية هذه الايام لم تعد قضية نقابات فحسب، بل قضية تذكرنا بحملة "كفى" التي انطلقت في مصر مؤخرا، سيما ان مسيرة التحول نحو الديمقراطية التي اطلقها الاردن عام 1989اصبحت على مفترق طرق.

 فبعد ان كان الاردن في بداية التسعينيات يعكس تجربة نموذج ومنارة لنشر الحريات السياسية والانفتاح على الحريات في منطقة غارقة في ظلام الانظمة الشمولية والبوليسية الدامس، بدأت مسيرة التراجع نحو الوراء، تحت وطأة التحديات السياسية الاقليمية ومتطلبات حماية الامن الوطني الداخلي.

وشجع هذا الحراك الشعبي الاخير قيام مجلس النواب بتحدي مشروع القانون – حيث طالب 59 من اصل 110 نائب رفضه،  اضافة الى امكانية المماطلة بسبب ضيق المهلة المتبقية لانتهاء اعمال الدورة البرلمانية نهاية الشهر، تلتها مبادرات احتجاج سلمي نظمتها نقابات وأحزاب.

      أما الصحف المحلية وكتاب زواياها، وعلى الرغم من القيود المفروضة عليهم، فاغلبهم حثوا على الحل التوافقي الذي قبلته النقابات الاحزاب ولجنة الاردن اولا 2003 والقائم على استبدال  "الصوت الواحد"  بصيغة التمثيل النسبي مع التأكيد على ضرورة ابقاء مواد اخرى اتت في مشروع القانون الجديد ومنها ما يتعلق بتطوير الاسس المتعلقة بالرقابة المالية على استثمارات ومدخرات النقابات واسس للتأديب لجعلها اكثر فاعلية في حال وقوع المخالفات والتجاوزات، واصلاحات مهنية اخرى تعيق دور بيوت الخبرة هذه في مسيرة التنمية والتحديث الشامل الذي نريد.

اذن نحن امام حالة ايجابية من النضوج الشعبي تسمح بحماية ماء وجه الحكومة والبرلمان والنقابات من خلال بوابة التمثيل النسبي لعكس وتمثيل  كافة القوى والتوجهات المنضوية تحت لواء الهيئة العامة للنقابات، منعا لتفرد وتغول تيار معين  (الاسلاميين) على اخر.

     وتستحضرني هنا دراسة قانونية شاملة قام بها العين والوزير السابق المحامي عمر النابلسي، عام 1993، ليفند مصداقية وجدوى نظرية الصوت الواحد التي ادخلت على قانون الانتخابات  في الاردن وقتئذ وسط "تطبيل وتزمير" من قبل كتاب وساسة التدخل السريع، ومدى انسجام ذلك مع سير البلاد نحو الديمقراطية.

     وقد بنى مرافعته هذه على دراسة المسلمات المتعلقة بقوانين الانتخاب التي توصلت اليها الامم الاخرى في تجاربها نحو تطبيق الديمقراطية واسترشد بمؤلفات فقهاء القانون الدستوري والمتخصصين في قوانين الانتخاب وبالابحاث والدراسات التي اجريت في الجامعات الاكاديمية.واظهرت دراسته ان احدا لم يطبق ما يسمى "بالصوت الواحد" في عملية الانتخاب وهي ان يحرم الناخب من التصويت الا لمرشح واحد في دائرة يمثلها اكثر من نائب كما روج حينها في الاردن.

     بيد انه ليس في الدول الديمقراطية تطبيق لنظام كهذا لانه يتنافى تماما مع مفهوم الديمقراطية ومنافاته لمبدأ التمثيل الصحيح للشعب، وهو جوهر الديمقراطية القائمة على اساس اغلبية اعضاء الهيئات التشريعية الهيئات المنتخبة ممن يمثلون اغلبية الشعب.

      ومن خلال استعراض النظم الانتخابية المطبقة في دول العالم في دراسة مقارنة بينت الى انه في جميع الدول تقسم الدولة اما الى دوائر صغيرة تنتخب كل منها نائبا واحدا وبذلك يكون عدد اعضاء الهيئة التشريعية مساويا لعدد الدوائر الانتخابية وبطبيعة الحال يعطي النائب صوته في هذا التقسيم لمرشح واحد (نظام الانتخاب الفردي" ، او ان تقسم الدولة الى دوائر كبيرة نسبيا يمثل كل منها في البرلمان عدد معين من النواب وينتخب الناخب عددا معينا من المرشحين، وهو العدد المقرر في قانون الانتخاب لتمثيل الدائرة المقيد فيها الناخب (نظام الانتخاب بالقائمة)،  او نظام اخر يجعل من البلاد وحدة انتخابية واحدة ويكون امام الناخب قائمة تتضمن اسماء كثيرة للمرشحين عن البلاد بأكملها، وغيرها من الامثلة.

     وبما ان الاغلبية في الاردن لامست  الاثار الوخيمة لتطبيق نظام "الصوت الواحد" الذي اخترعناه ، والذي هو في الواقع "صوت مجزأ او مقلص" . حيث قوض ذلك اركان الديمقراطية وجعل الاغلبية العظمى في البرلمان ممثلين للاقلية الضئيلة من الشعب. وما زلنا نعاني من النتيجة العبثية لبدعة هذه النظام الذي لم يعرف عنه شيء في كافة النظم الانتخابية، حيث اصبح مثار تندر بديمقراطيتنا وعمق الجهوية والعشائرية وحول البرلمان عن دوره الرقابي والتشريعي باتجاه تلبية الخدمات.

     وبالتأكيد، فان احدا لا يريد ان تتحول النقابات المهنية الى جهويات مماثلة وان كان البعض في الحكومة يرى ان في ذلك حماية للمصلحة العامة بسبب ظروف سياسية واجتماعية خاصة دون أي اعتبار لاساليب الانتخاب المعروفة او المطبقة او دراسة الاساليب التي رسخت بتجارب انتخابية عبر العصور؟
ولكن من منا يقرأ باستمرار ويسترجع المسيرة التراكمية للامور؟

التعليق