الثقافة من أجل حياة جديرة أن تعاش

تم نشره في الاثنين 14 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

     لقد أثبتت فلسفة التنمية من أجل الوفرة فشلها برأي أهلها وأصحابها، فعلى الرغم من الزيادة الهائلة في الإنتاج والغذاء والتقنية التي أدت إليها الحضارة الحديثة فإن الجوع والحروب والحرمان تأخذ مساحات واسعة حتى في الدول الغربية المتقدمة، وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة بقلق إلى تنامي الفقر والتشرد والجريمة والبطالة في الدول الغنية والمتقدمة صناعياً.

     واليوم تتبنى مؤسسات دولية وغربية وأخرى شرقية مفهوماً جديداً للتنمية تؤدي فيه الثقافة دوراً مهماً ومحورياً، ويربط كثير من الاقتصاديين بين مؤشرات نوعية الحياة كالصحة والتغذية والتعليم وبين قيم دينية وثقافية واجتماعية تجعل هذه النتائج فعالة وتحمي هذه الإنجازات أكثر من الوفرة المالية.

    نظافة الشوارع والمدن والقرى على سبيل المثال ثبت أن فرق بل جيوش عمال النظافة الذين تحركهم البلديات وشركات الخدمات لم يستطيعوا أداء أعمالهم دون دوافع حضارية وثقافية تحرك الناس نحو النظافة.

     فالنمو الاقتصادي هو أداة أو وسيلة وليس غاية، والنظر إليه بخلاف ذلك سيؤدي إلى هدر كبير للموارد إذا لم يحقق حياة كريمة، فالناس في دول فقيرة كثيرة يستطيعون أن يقيموا بيوتاً واسعة جميلة ولم يحقق الأردنيون -على سبيل المثال- هذا الهدف على الرغم من أنهم أكثر شعوب العالم إنفاقاً على الإسكان، ومدينة عمان التي تبدو في مظاهر بيوتها أفخم مدينة في العالم، تعاني من أزمات ومشكلات سكانية كثيرة جداً يمكن حلها دون إنفاق إضافي، ويعد الأردن حسب تقرير التنمية البشرية من أكثر الدول العربية معاناة في السكن بل إنه يعاني أكثر من مصر، وسبب ذلك بالتأكيد يعود إلى اتجاهات الناس في بناء البيوت وتصميمها، وأنظمة تخطيط المدن والقرى والأحياء والمرافق التي لم تأخذ بالاعتبار خبرات الناس وتراثهم واحتياجاتهم في المعيشة والإقامة.

      فتجد في أحياء راقية بالغة الترف في عمان أنفق الناس فيها مليارات على بناء بيوتهم، وأنفقت الدولة مئات الملايين على مرافقها الأساسية، مجاري الصرف الصحي تفيض في الشوارع بشكل اعتيادي والسبب ببساطة واضحة يدركه جميع الناس وهو تجاهل مسارات المياه الطبيعية ومناطحة البيئة والجغرافيا، فلم تأخذ أنظمة تخطيط المدينة بالاعتبار تجنب الأودية واحترام مسارات المياه وأقنيتها الطبيعية، فخطت الشوارع وبنيت البيوت على أساس قهر هذه الطبيعة ومحاولة التغلب عليها باستخدام التقنية، والذي يحدث أنه عندما تمطر السماء ويفيض الماء لا يجد له طريقاً سوى شبكات الصرف الصحي غير المصممة لاستيعاب مثل هذه الكميات الكبيرة من الماء، ولأن الأمطار تصحبها أتربة وحجارة فإن الشبكات تختنق وتأخذ مساراً دائماً أو شبه دائم في الشوارع المكشوفة بدلاً من الشبكات المدفونة تحت الأرض.

     وفي كل عام يحدث كثيراً أن مياه الأمطار التي تتخذ من الشوارع مساراً لها أن تجرف أطفالاً ومواطنين، ولأن الأودية غير متروكة بل مأهولة بالعمائر والبيوت والشوارع فإن هذه السيول تأخذ هؤلاء الناس إلى البواليع تحت الأرض، وتفشل دائماً جميع محاولات إنقاذهم على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها فرق الدفاع المدني والأمن العام والجيش، ولو ترك الناس هذه الأودية، وهو ما يسميه الأردنيون وربما جميع الناس "حرم الوادي" حيث يعتبر الوادي حرماً لا يجوز الاعتداء عليه بالبناء أو بالطرق أو بأي شيء لوفرت الدولة والمجتمعات أموالاً طائلة، ولم تحدث معاناة في الخدمات، ولا قتل مواطنون، وتضاعف عمر هذه الخدمات المكلفة.

      واعتزاز الناس بلباسهم الوطني وتمسكهم به يؤدي بالتأكيد إلى متوالية إنتاج ووفر كبير وتدوير للأموال والخدمات في البلد نفسه بدلاً من استنزاف الموارد بالاستيراد بتحويلها إلى الخارج، والعكس يحدث عندما يختار الناس لباس غيرهم فيستوردونه من الخارج.

       الكارثة تكون أكبر في الطعام، فقد استقر الناس في كل بلد على أنواع من الأطعمة مستمدة من البيئة المحيطة بهم وتتفق مع احتياجاتهم والظروف المناخية، وعندما اجتاحت العالم كله أنواع محددة من الأطعمة والأغذية فقد توقف إنتاج مئات الآلاف من الأغذية والأطعمة التي كانت تستخرج من المياه واليابسة، وتسود العالم كله اليوم أعداد قليلة جداً أدى الطلب الكبير عليها إلى استنزاف هائل للموارد وتعطيل لأخرى، واحتكار وسيطرة استراتيجية على دول كثيرة.

      وحتى لا يكون للمقالة طابع شعبي فسأدرج هنا مقولة أمارتياسن أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عن دور الثقافة في التنمية فهي تراها تدخل في ثلاثة أدوار:

1- الدور التأسيسي، فالتنمية الثقافية مكون أساسي لا ينفصل عن التنمية بشكل عام، فإذا حرم الناس من فرصة فهم وتقوية قدراتهم الخلاقة، فإن هذا يعوق التنمية، ولذلك فإن التعليم الأساسي مهم ليس فقط للمساعدة التي يقدمها للنمو الاقتصادي ولكن لأنه جزء أساسي من التنمية الثقافية.

2-  الدور التقييمي فما نقدره ونقيسه يتأثر بالثقافة، والأشياء التي نقدرها بشكل جوهري تعكس تأثير ثقافتنا.

3- دور الأداة فالأهداف التي نسعى إليها يتأثر تحقيقها والسعي إليها بطبيعة ثقافتنا وأخلاقنا.

والحرية من الأمور الحيوية للثقافة، وبخاصة حرية تقرير ما نعتقد أنه ذو قيمة، وتقرير أي نوع من الحياة نسعى إليه، ودور الأداة ووسيلة التقييم والتأسيس للثقافة ترتبط كلها في النهاية بهذه الحرية.

التعليق