كيف يشكّل نموذج "الكتلة الوطنية" السوري مخرجاً للعراق؟

تم نشره في الاثنين 7 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


      التاريخ لا يعيد نفسه ،بكل تأكيد، لكنه يعطينا دروساً، وفي منطقة كالمنطقة العربية يحتل التاريخ لدى شعوبها مكانة محورية، ويشكل كثيراً من وعي ولاوعي مواطنيها فإن العودة إليه، لا للمكوث فيه كما يقول فوكو،وإنما لاستعادة حركيته وديناميته، تصبح مهمة مزدوجة ومضاعفة.


العراق اليوم تتوازعه اتجاهات طائفية وعرقية وإثنية وقومية متباينة إن لم تكن متصارعة ،ولا يبدو أن الانتخابات التي جرت في نهاية كانون الثاني الفائت،رغم أهميتها الرمزية والتاريخية،قد نجحت في رأب الصدع المتفاقم .فنحن أمام ثلاثة أعرقة إذا صح التعبير تحاول بصعوبة التجاور والتزاوج، والاحتلال الأمريكي يقسم النخبة السياسية والدينية إلى قسمين يبدو أنهما لا يستطيعان أن يلتقيا، ومواقع النفوذ والحجم لدى الطوائف المختلفة تجعلها محصورة في إطار طيفها الطائفي الخاص ولا تمكنها من الخروج إلى الفضاء الوطني الأوسع. أما التشكيك بشرعية الانتخابات وما ينتج عنها فقد بات أشبه بمن يرفض الشيء لأنه ببساطة لا يستطيع أن يحصل عليه، والجماعات الأصولية التي تزداد تارةً باسم المقاومة وأخرى باسم الدفاع عن الإسلام يبدو أنها تُدخل العراق في مستقبلٍ مظلم بعيدٍ تماماً عما بشرنا به الأمريكيون .فكيف السبيل إلى ذلك ؟


       الغرور وحده يمكن أن يدعي أن أحداً ما يستطيع أن يقدم مشروعاً للخروج، والتبجح وحده يستطيع الادعاء أن ما نشهده في العراق مخاض العراق "الديمقراطي الجديد الحر" . إن العراق اليوم هو بلا شك في كف نخبه التي تقرر مصيره بشكلٍ أو بآخر، ودور النخب هنا بمعناها الواسع ، السياسي والديني والثقافي والعلمي والعسكري، فهي من يحدد أي مستقبلٍ للعراق تريد.


وهنا يبدو التاريخ السوري الذي عاش تجربةً شبيهة مع الاختلاف خلال تاريخ الانتداب الفرنسي، يمكن أن يقدم رؤية موجهة أو محددة.فمع دخول غورو إلى دمشق بعد هزيمة وزير الدفاع السوري يوسف العظمة في معركة ميسلون في 24 تموز /يوليو 1920 التي تأخذ حيزاً استثنائياً في ذاكرة السوريين كرمزٍ للبطولة، فإن النخبة السياسية السورية كانت قد انقسمت إلى طرفين يعبران عن مواقف متباينة، فالأقلية رأت أن تدافع عن الاستقلال السوري بالوسائل السياسية والسلمية في حين رأت الأغلبية ضرورة أن يدافع السوريون عن استقلالهم وسيادتهم حتى ولو اضطروا إلى استخدام السلاح رغم قلته، وقد ظهرت المقاومة المسلحة في مناطق متعددة من سورية، في حلب مع إبراهيم هنانو، والساحل السوري مع صالح العلي، ثم منطقة جبل العرب مع سلطان باشا الأطرش، لقد كانت بؤر المقاومة تلك تعبيراً عن "عفوية شعبية" في رفض الانتداب الفرنسي والتأكيد على سيادة سورية واستقلالها وترسيخ وحدتها مع أقاليم الشام الأخرى.


      وسط هذا الانقسام بين النخب السياسية على ترتيب الأولويات السياسية كانت الخطوة من السلطة الفرنسية نفسها بضرورة أن يعمل السوريون على أن يحققوا الوحدة في أنفسهم أولاً كي يستطيعوا أن يُطالبوا الفرنسيين بتحقيقها، فانطلق مفهوم تأسيس الحزب السياسي، فجرى تشكيل الحزب الوطني الذي حدد فارس الخوري برنامجه باستقلال سورية والاعتراف بسيادتها الوطنية وحقوقها، وفي الحصول على حكومة ديمقراطية، وتوحيد سورية لتضم كل الأقطار المشمولة بحدودها الطبيعية.


      لقد نشأ استقطاب حاد بين فئتين كانتا تعبران عن موقفين ورؤيتين متغايرتين تماماً لمستقبل سورية، الأولى الموالية للانتداب كانت ترى الأمور بعيون مصالحها الخاصة والشخصية أولاً فرأت ضرورة التعاون مع الفرنسيين لتحقيق الأفضل لسورية، في حين كانت الفئة الأخرى التي ازدادت شعبية وجماهيرية ترى أن المفاوضات السياسية يجب أن تُفضي حتماً إلى الاستقلال التام، وعندها برزت مجموعة من الزعماء السياسيين ذوي الأصول البرجوازية الذين عبروا بشكلٍ أو بآخر عن هذه التطلعات رغم انتسابهم لتلوينات أيديولوجية وإقليمية متباينة، وتشكلت في النهاية الكتلة الوطنية التي أظهرت أنها مترابطة على العمل في إطار أهداف محددة في السياسة. وقد انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً وفارس الخوري وإبراهيم هنانو نائبي الرئيس والسكرتير هو جميل مردم بك وأمين الصندوق هو شكري القوتلي والعضوان هما سعد الله الجابري وعفيف الصلح، وقد كان لهذه الهيئة السلطة العليا في الكتلة الوطنية.


لقد سعت الكتلة إلى احتواء الخلافات الأمر الذي زاد من شعبية أعضائها بحيث أصبحت الكتلة هي التي تقود الشارع السياسي بأكمله خلال الثلاثينيات وأصبح مؤسسوها بمثابة الرموز الوطنية التي يلتف حولها السوريون. وقد ظهر ذلك جلياً في الدعم الذي حصل عليه الكتلويون في الانتخابات التشريعية عام1936 ثم ذهاب وفدٍ منهم إلى فرنسا للتفاوض على المعاهدة السورية ـ الفرنسية التي من شأنها أن تعترف بشكلٍ ما من السيادة السورية، وقد لقِيَ الوفد ترحيباً منقطع النظير في شوارع دمشق وأحيائها بعد عودته من مفاوضات شاقة دامت ستة شهور،
ثم حصلت سورية في النهاية على استقلالها التام في عيد الجلاء 17نيسان/أبريل1946 بعد جهودٍ شاقة من المفاوضات بين الكتلة الوطنية ذاتها وبين الانتداب الفرنسي الذي كان خارجاً بعد الحرب العالمية الثانية من وضعٍ دولي لا يسير في صالحه .


      التجربة السورية في الكتلة الوطنية تستحق التوقف للنظر في إمكانية استدعائها في الحالة العراقية المعقدة، يبدو أن النقطة الأولى التي تستحق التوقف عندها تكمن في إمكانية ولادة نخبة عراقية جديدة لا تحمل إرثاً حزبياً وإنما تفكر بعقلية وطنية محضة، وإن كان يمكن القول أن لا تناقض بالضرورة بين الرؤيتين، لكن التوافق بين النخب لا يتم إلا بالتنازل والتواطؤ على المشترك ،وهذا لن يتم إلا بالترفع عن الذاتية والمصالح الفردية والشخصية .


أما النقطة الأخرى فهي توحيد الرأي العام السوري خلف تكتل نخبوي وطني من كل الأطياف والطوائف والأعراق بأهداف واضحة محددة، وعدم الاستباق في تسجيل النقاط في مرمى الوطنية كما هي حال الطوائف العراقية، فمن يحمل لواء المقاومة المسلحة يحوز النقاط الأكثر، وهكذا على التوالي حتى نصل إلى صفة انتفاء الوطنية لمن يطالب ببقاء القوات المحتلة حتى فترة تنظيم الإطار الوطني الجامع.


     أما النقطة الثالثة فهي رفض العمليات الثأرية والإرهابية التي تستهدف الحرس الوطني العراقي أو العاملين الأجانب والتي تفقد الدعم العالمي والدولي للأصوات المطالبة بجدولة انسحاب الاحتلال من العراق ,ويبدو أن التجربة التاريخية قد أثبتت أن التوافق الوطني الجامع، على صعوبة تحصيله، أكثر قوة من الكثير من العمليات المسلحة، فالسوريون ومن خلال كتلتهم الوطنية حصلوا على التوافق على مطالب محددة بدت حاسمة ونهائية لجميع السوريين ، أما العراقيون فإن قضيتهم تبدو أسهل على الأقل في هذا الإطار خاصة مع وجود توافق أوروبي وروسي على جدولة الانسحاب ،بعد أن كان هذا الموقف قد عبّر نفسه في رفض الحرب.


المهم بالنسبة للعراقيين هي أن لا يسقطوا في فخ الاتهامات الجوهرية أو القارة أي الثابتة بحق أي طائفة أو حزب ،فالسنة ليسوا بالضرورة وطنيين لأنهم يحملون لواء المقاومة ،إذ غالباً ما تختلط الوطنية هنا بمنافع وحسابات طائفية وشخصية ،والأكراد ليسوا خائنين أو أشبه بالطابور الخامس لأنهم سهلوا دخول الاحتلال ولأنهم يطالبون بالفدرالية ،فلكل موقفٍ حيثياته التاريخية وقراءة الموقف على هذه الصورة يسقطنا في فخ الطائفة المحضة ويجعلنا نقرأ أنفسنا بمنظور المستشرقين الذي لا يرون الممارسة السياسية في العالم العربي إلا على أنها طوائف واثنيات تتصارع على نصيبها من الكعكة .


مستقبل العراق اليوم بيد نخبته ،والانتخابات بدا أنها تبشر بمستقبلٍ يبدأ من حيث انتهت الانتخابات ولا يتوقف عندها ،فالعراق لن ينطلق إلا عندما يرى جميع العراقيين في بلدهم مستقبلهم ،وهذا هو تحدي العراقيين التاريخي .


كاتب سوري  

التعليق