ثروات الأمم المفقودة

تم نشره في السبت 5 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

     لقد صارت عبارة "التنمية المستدامة" من قبيل الشائع والمبتذل، لكن المعلقين الاقتصاديين لا يقدمون أية وسيلة لإرشاد الناس بشأن كيفية الحكم على التنمية الاقتصادية في دولة ما بأنها مستدامة أم لا.


     توصل تقرير بروندتلاند الشهير في عام 1987 إلى تعريف التنمية المستدامة كالتالي: "التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون المجازفة بقدرة أجيال المستقبل على الوفاء باحتياجاتها". وعلى هذا فإن التنمية المستدامة تتطلب أن يعمل كل جيل بالتناسب مع تعداده على أن يسلم إلى الذرية التي تليه قاعدة إنتاجية ضخمة بالقدر الذي ورثها به هو ذاته. ولكن كيف لجيل ما أن يجزم ما إذا كانت القاعدة الإنتاجية التي سيتركها لذريته كافية أم لا؟


       يرى أهل الاقتصاد أن المقياس الصحيح للقاعدة الإنتاجية لاقتصاد ما هو الثروة، والتي لا تشمل قيمة الأصول الـمُصنَّـعة فحسب (المباني، والمعدات، والطرق)، بل إنها تتضمن أيضاً رأس المال "البشري" (المعرفة، والمهارات، والصحة)، ورأس المال الطبيعي (الأنظمة البيئية، والمعادن، والوقود الحفري بأنواعه)، والمؤسسات (الحكومة، والمجتمع المدني، وحكم القانون). وتعتبر التنمية مستدامة طالما ظلت ثروة اقتصاد ما على مر الزمن مصونة نسبة إلى التعداد السكاني. أو في عبارة أخرى، لابد وأن يُـنْـظَر إلى النمو الاقتصادي كنمو للثروة، وليس كنمو للناتج المحلي الإجمالي.


       هناك فارق كبير بين الاثنين. فهناك العديد من الظروف التي يتزايد فيها الناتج المحلي الإجمالي لدولة ما (للفرد)، حتى مع اضمحلال ثروتها (للفرد).


      ونستطيع أن نقول بعبارة أكثر شمولاً إن هذه الظروف تتضمن أسواقاً تشهد نمواً في فـئات معينة من السلع والخدمات (الإنتاج المكثف من الموارد الطبيعية)، بينما يصاحبها في ذات الوقت غياب للأسواق والسياسات الجمعية لرأس المال الطبيعي (خدمات الأنظمة البيئية). وحيث إن المشاكل البيئية العالمية كثيراً ما تفرض المزيد من الضغوط على الموارد المحلية لأفقر شعوب العالم، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول الغنية قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على ثروات الدول الفقيرة.


      وبطبيعة الحال فإن الموقف الذي يتزايد خلاله الناتج الإجمالي المحلي بينما تضمحل الثروة ليس له أن يستمر إلى الأبد. فحين يستهلك اقتصاد ما قاعدته الإنتاجية من أجل رفع معدل الإنتاج الحالي، فإن الناتج المحلي الإجمالي لهذا الاقتصاد سوف يتضاءل أيضاً في نهاية المطاف، ما لم تتغير السياسات الاقتصادية إلى الحد الذي يسمح بتراكم الثروة من جديد.


على سبيل المثال، باستخدام البيانات الصادرة عن البنك الدولي بشأن استهلاك عدد من الموارد الطبيعية على المستوى الوطني، يقدر خبراء الاقتصاد أنه على الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد قد تزايد في شبه القارة الهندية على مدار العقود الثلاثة الماضية، إلا أن الثروة للفرد قد تضاءلت هناك إلى حد ما. ولقد كان تضاؤل الثروة هذا نتيجة إلى أن استثمارات رأس المال الثابتة، ونمو المعارف والمهارات، وإدخال التحسينات على المؤسسات، وكل ما إلى ذلك لا يعادل تآكل رأس المال الطبيعي نسبة إلى النمو السكاني.


       وفي البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا، فقد تضاءل كل من الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والثروة للفرد في ذات الوقت. ولقد وجد خبراء الاقتصاد أيضاً أن المناطق التي شهدت نمواً سكانياً مرتفعاً في أكثر أقاليم العالم فقراً (أفريقيا وشبه القارة الهندية)، قد فقدت ثرواتها بمعدلات أسرع.


        وعلى النقيض من هذا فقد شهدت اقتصاديات الصين ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمواً في كل من الناتج المحلي الإجمالي للفرد والثروة للفرد. بل لقد نجحت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فيما هو أكثر من التعويض عن تضاؤل رأس المال الطبيعي من خلال العمل على تراكم أصول رأسمالية أخرى. أو بعبارة أخرى، يبدو أن العالم الغني قد استمتع طيلة العقود الثلاثة الماضية بـِ"التنمية المستدامة"، بينما كان النمو الذي شهده العالم الفقير (باستثناء الصين) غير قابل للدوام.


         في الأيام الحالية ما زلنا في وقت مبكر من الدراسة الكمية للتنمية المستدامة. ولكن على الرغم من هذا يستطيع المرء أن يقول إن التقديرات الحالية للثروة تتسم بالتحيز والاختلال. فإذا ما تحدثنا عن رأس المال الطبيعي، فسنجد أن البنك الدولي قيد نفسه بالغلاف الجوي باعتباره مرتعاً يعربد فيه ثاني أكسيد الكربون، وبالنفط، والغاز الطبيعي، والغابات كمصدر للأخشاب.


          لكن البنك الدولي تغافل عن ذكر العديد من أنواع رأس المال الطبيعي الأخرى: كالماء العذب، والتربة الزراعية، والغابات كمصدر لتوفير خدمات أنظمة البيئة، والغلاف الجوي باعتباره مرتعاً للملوثات كالغبار العالق، والنيتروجين، وأكاسيد الكبريت. وإذا ما اشتملت تقديراتنا لرأس المال الطبيعي على مثل هذه البنود المفقودة، فسنجد أن الأداء الاقتصادي للعالم الفقير، بما في ذلك الصين، كان طيلة العقود الثلاثة الماضية، أكثر سوءاً مما قد يبدو في الظاهر.


         لكن التقديرات الخاصة بتراكم الثروة على مدار السنوات الأخيرة في العالم الغني تميل هي أيضاً إلى المبالغة. فقد كشفت الدراسات القائمة على الخبرة العملية من قِـبل علماء الأرض أن طاقة استيعاب الأنظمة الطبيعية للاضطرابات ليست بلا حدود.


           ومع بلوغ الأنظمة الطبيعية إلى الحد الأقصى لقدرتها على الاستيعاب فقد أصبحت مهددة بالانهيار. وإذا ما حدث ذلك فإن تكاليف إعادة العافية إليها ستكون باهظة سواء من حيث الوقت أو الموارد المادية. ومن ناحية أخرى، فإذا ما افترضنا أن التيار الأطلسي الذي يحافظ على دفء شمال أوروبا قد غير اتجاهه أو تباطأ بسبب الاحتباس الحراري لجو الأرض، فإن مثل هذا التغيير سيصبح غير قابل للارتداد.


          باختصار، نحن ندرك أن المعارف، والمؤسسات، ورأس المال الـمُـصَـنَّـع تستطيع إلى حد غير معلوم أن تحل محل الموارد الطبيعية، وعلى هذا فحتى إذا ما فقد اقتصاد ما بعضاً من رأسماله الطبيعي، سواء من حيث الكم أو الكيف، فإن ثروته قد تزيد إذا ما استثمر ذلك الاقتصاد على النحو الكافي في أصول أخرى. وإن الزيادة الهائلة التي شهدها العالم في الإنتاجية الزراعية طيلة القرنين الماضيين تؤكد هذه الحقيقة بوضوح.
 
         ولكن هناك حدودا لإحلال مصدر محل مصدر آخر من مصادر الثروة: فكثيراً ما شهدت تكاليف الإحلال (بما في ذلك الإبداع البشري) ارتفاعات كبيرة بأساليب لم تكن معلومة فيما سبق، بينما تقلصت الموارد الطبيعية الرئيسية. وتعد ظاهرة الاحتباس الحراري لجو الأرض من الشواهد وثيقة الصلة بحديثنا هذا. فإذا ما وضعنا في الحسبان المجازفات غير المحسوبة المرتبطة بمثل هذه القيود والحدود حين نبادر إلى تقييم وتقدير التنمية المستدامة، فقد يتبين لنا أن نمو الثروات في دول العالم الثرية كان أقل كثيراً مما نتصور الآن.


       سير بارثا داسجوبتا أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كامبريدج وزميل كلية سانت جون، وجامعة كامبريدج. ولقد نزل إلى الأسواق أحدث كتاب من تأليفه بعنوان "رفاهية الإنسان والبيئة الطبيعية". 

التعليق