بريطانيا تعيد تشكيل الصراع في المنطقة

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


     مؤتمر لندن تأكيد على أن الموقف الدولي حسم باتجاه خيار واحد وهو: حل القضية الفلسطينية بدائرة إسرائيلية فلسطينية مدعومة دولياً. وهناك تخل واضح للموقف الدولي عن حل القضية الفلسطينية، أو حتى استمرار التعاطي معها من خلال الإطار العربي، أو الإطار الإقليمي. مؤتمر لندن هو ببساطة شطب للدائرة الإقليمية من مشروع التسوية.

نموذج الدوائر الثلاث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والذي طوره مركز الدراسات الإستراتيجية في كلية الدفاع الوطني خلال العام الماضي، وطبق على تحليل الخيارات الإسرائيلية، ونشر في مجلة إستراتيجيا الأردن، التي يصدرها مركز الدراسات الإستراتيجية في كلية الدفاع الوطني، يساعد على فهم الحراك الدولي الجاري الآن.


      مؤتمر لندن الأخير لدعم السلطة الفلسطينية، ودعم العملية السلمية تأكيد حاسم على عزل القضية الفلسطينية عن الإقليم، والعمل على تسويتها من خلال سياق دولي خالص.

حيث تأكد في المؤتمر موقف مفاده أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو ناتج فاعلية أطراف إقليمية. فالصراع أخذ توصيفاً غريباً في كلمة رئيس الوزراء البريطاني السيد طوني بلير في المؤتمر. إذ يقول السيد بلير في الفقرة الأولى من حديثه: "الصراع ما بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لها ....يقوض الأمن والرخاء لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، حيث يعيش كلا الشعبين في حالة من الترقب خوفاً من العنف، ويعانون من الصعوبات الاقتصادية.

 والأطفال الإسرائيليون والفلسطينيون لا يعرفون معنى الذهاب إلى مدارسهم دون شعورهم بالخوف وعدم اليقين". ففي الفقرة الأولى من كلمة بلير إعادة لتوصيف الصراع بأنه ليس صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً، وليس عربياً إسرائيلياً، إنه صراع بين إسرائيل وجيرانها دفع الفلسطينيون ثمناً له.


      ومثل هذا الفهم أو التوصيف للصراع يوضح الكثير من خصائص الخطط الدولية المتعلقة بالتسوية، ويشير إلى الممكنات والاحتمالات القادمة. كما أن هذا التوصيف يحدد خيارات الفلسطينيين والإسرائيليين. ولكنه على المدى المباشر يعبر عن سعي بريطاني، يبحث عن غطاء دولي لإعادة بناء خطوط الاصطفاف والمواجهة في المنطقة خلال المرحلة القادمة.


       وينهي رئيس الوزراء البريطاني كلمته بالقول: " هذا اللقاء [لقاء لندن] فرصة هامة للسلطة الفلسطينية للحصول على الدعم الدولي الذي تحتاجه لتحقيق أهدافها، ولتأمين هذا الدعم. وسوف يتيح هذا اللقاء للسلطة الفلسطينية لأن تبين بأنها شريك في السلام جدير بالثقة وقادر على أن يعمل على نجاح الانسحاب الإسرائيلي، وقادر على أن يفي بالتزاماته بموجب خارطة الطريق.

 وبذلك تستطيع السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بمساندة دولية، تطبيق خارطة الطريق ووضع حد للعنف الذي تسبب بالكثير من المعاناة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين". ومفتاح فهم هذه الفقرة هي الجملة التي يؤكد فيها السيد بلير أن الفلسطينيين والإسرائيليين يستطيعون " بمساندة دولية، تطبيق خارطة الطريق ووضع حد للعنف الذي تسبب بالكثير من المعاناة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين". والسيد بلير يريد أن يرى ذلك يصبح حقيقة، ويؤكد على أن الفلسطينيون والإسرائيليون يريدون ذلك.


      هذه المقتطفات تؤكد على أن مؤتمر لندن يأتي في سياق بناء تحالف فلسطيني إسرائيلي برعاية دولية. كلمات وزيرة خارجية الولايات المتحدة في ذات المؤتمر حملت ذات المضمون. فهي بتحذيراتها لإسرائيل، وللفلسطينيين، وللعالم كانت تشير إلى حقيقة مهمة وهي أن شكل ومضمون العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية سوف يحدد أميركياً. وأكدت أن الولايات المتحدة هي الراعي الوحيد للمنظومة الأمنية الفلسطينية الإسرائيلية التي في طور البناء.


       وهذا يؤكد ما تناقلته وسائل الأنباء مؤخراً من أن الولايات المتحدة بعثت برسالة لمؤتمر القمة العربية القادم. حيث أكد الرئيس بوش فيها مطالبة الولايات المتحدة للزعماء العرب أن يقروا بأولوية الجهد الدولي في المسألتين الفلسطينية واللبنانية على أي جهد آخر. وتطالب الولايات المتحدة أن 


     وترافقت هذه الجهود مع تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي في المجر. حيث أكد على أهمية " عزل سوريا وإيران وحزب الله وحماس". وعملية العزل التي طالب بها وزير الخارجية الإسرائيلي تتضمن من جملة ما تتضمنه التأكيد على أن إسرائيل تسعى لخلق محور جديد في المنطقة، وخط مواجهة يلغي كل تاريخ الصراع، ويعيد إنتاجه من جديد.


العالم العربي بضعفه الحالي، يفتقد إلى الخيارات، وإن كان لا يفتقر للأمنيات والتطلعات.    العالم العربي الذي سمح بأن تحل مشاكل السودان في سياق غير عربي، مطالب الآن بتحديد موقف من تصور إستراتيجي واضح للولايات المتحدة قائم على أساس دمج خارطة الطريق بخطة الشرق الأوسط الكبير.

 فكلاهما مقترحات أميركية، وكلاهما تحولا إلى مشاريع دولية كبرى. وكلاهما يتضمن إعادة رسم خطوط الاصطفاف والمواجهة في الإقليم. ولهذا مضمون واحد وهو تفكيك البنية السياسية العربية كمنظومة إقليمية.


      وهذا لا يعني الدعوة للدفاع عن هذه المنظومة العاجزة، ولكنه دعوة من أجل تطويرها. فعجز المنظومة العربية، ودخول العالم العربي في مشاريع تأسيس السلالات الحاكمة الجديدة، وانهيار الاقتصاديات العربية، وتدني مستوى الأداء العربي على كل المستويات يجعل الدفاع عن هذه المنظومة وهماً وضرباً من الجنون.


       والتطوير المطلوب يجب أن يكون في سياقين، الأول تجديد قيمة المنظومة العربية وفاعليتها في التعاطي مع المشاكل العربية العربية، والثاني تجديد الخطاب العربي في التعامل مع العالم. فلا يمكن أن تبقى مؤسسات العمل العربي المشترك تدور في فضاء الوهم والرضا عن الذات عبر إنكار المشاكل والإخفاقات. فالصيغ الاحتفالية لا يمكنها أن تخفي المصائب والنكبات، وإن كانت تستطيع تعطيل الجهود الصادقة لمواجهة التحديات الحقيقية.


التحالف الفلسطيني الإسرائيلي الذي في طور البناء، بالرغم من كلمات وزير خارجية إسرائيل، وغيره، ليس موجهاً ضد إيران وسوريا، ولكن نجاحه يقتضي تحييد إيران وسوريا ليستطيع تحقيق أهدافه والاستفراد بضحيته المركزية. وتجاهل الضحية للسكين، أو محاولتها استمالة اللحام لا يمكنها من وقف التطورات الموضوعية.

التعليق