الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


      هل لدى الدول العربية القدرة والإرادة على تحقيق اتحاد عربي على غرار الدول الأوروبية ؟ وهل يمكنها إذا استطاعت ذلك أن تحقق لا نقل نفس النتائج ولكن نتائج تقريبية  مثل تلك التي حققها الاتحاد الأوروبي ؟

 ماهي المقاييس والمعطيات الواجب توافرها لتحقق ذلك؟ كتاب " الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا" لمؤلفه د/ حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد بجامعة القاهرة ، عبارة عن محاولة للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها التي يمكن أن تراود ذهن المواطن العربي وتشغل باله، وهو دراسة مقارنة بين الواقع الأوروبي  والواقع العربي وإسقاط للتجربة الأوروبية على هذا الأخير ،كما أنها دراسة معمقة ودقيقية للاتحاد الأوروبي كجهاز إداري من ناحية وكجهاز وظيفي من ناحية ثانية .

وأهم ما جاءت به هذه الدراسة هو موقف التجربة التكاملية داخل النظام الإقليمي الأوروبي بتنظيماته وفروعه المختلفة وكيف أن هذه التجربة والتي انطلقت بإنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب وتطورت حتى وصلت إلى "الاتحاد الأوروبي" وأصبحت بذلك عصب النظام الإقليمي الأوروبي بكل تنظيمه وفروعه ومؤسساته، لقد تعرض لذلك الكاتب بدءا من تحديد موقع الاتحاد الأوروبي كتنظيم تكاملي أو اندماجي داخل الفلك الإقليمي الأوسع الذي يدور فيه، ثم دراسة الهيكل التنظيمي للاتحاد الأوروبي ،وكذلك بنيته المؤسسية وآليات صنع القرار فيه، كما تناول مناهج وإجراءات وآليات ومراحل بناء العملية التكاملية الأوروبية ذاتها، إضافة إلى ذلك دراسة سياسات التكامل بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أي السياسات المتبعة في مجالات أو قطاعات معينة مثل : الصناعة والشركات والزراعة والصيد البحري والطاقة والنقل كذلك السياسات الاقتصادية العامة أو الكلية مثل السياسات الجمركية والضريبية والمالية والنقدية وغيرها، إضافة إلى ذلك السياسات الاجتماعية والإقليمية وحقوق الإنسان والمواطن والسياسات الثقافية والعلمية والتعليمية.


المنهج العربي والأوروبي


     في إطار هذه المقارنة يرى المؤلف أن نفترض أن البلدان العربية مقتنعة تمام الاقتناع بضرورة التخلي عن النهج القومي الذي سيطر على التفكير العربي،والذي كان يصر دائما على حق الأمة العربية المجزأة في قيام دولتها الموحدة في قفزة فورية عملاقة تكتسح الحواجز المصطنعة وتقرير بدلا من ذلك اقتفاء أثر التجربة الأوروبية وتبني نهج وظيفي لبناء وحدة تدريجية على مراحل تبدأ بتكامل اقتصادي وتنتهي بشكل من أشكال الوحدة السياسية.

فهل تستطيع البلدان العربية بأوضاعها الحالية، أن تقوم بعملية تكاملية ناجحة تعتمد على النهج الوظيفي بمجرد أن تقرر ذلك؟

 والجواب كما جاء في اعتقاد د/ حسن نافعة  هو: لا، بصورة قاطعة وفورية لسبب بسيط وهي أن الشروط اللازمة لتطبيق فعال للنهج الوظيفي في عملية تكاملية ناجحة ليست متوافرة في الواقع العربي هذا من جهة، من جهة ثانية تجربة التكامل الأوروبي تمكنت من تطبيق النهج الوظيفي بنجاح لسبب بسيط وهي أنها تمكنت من حل ثلاث معضلات أساسية:


- تتعلق بكيفية تحييد الخلافات السياسية، وعزل تأثيراتها السلبية المحتملة في العملية التكاملية.


- تتعلق بكيفية بناء مؤسسات فعالة قادرة على إدارة العملية التكاملية.


- تتعلق بكيفية ضمان تقدم العملية التكاملية إلى الأمام واستمرارها والحيلولة دون التفافها حول نفسها.


دراسة النظامين العربي والأوروبي


   إن أهم ما جاء به الكتاب هو محاولة لدراسة أوجه الشبه والإختلاف بين النظامين الإقليميين الأوروبي والعربي سواء من حيث السياق التاريخي بالنسبة للتجربة الأوروبية  قبل كل شيء كتجربة في التكامل بين دول قومية متبلورة ومكتملة النضج لكل منها خصوصيتها وهويتها الثقافية والقومية، ثانيا كتجربة للتكامل بين الأنظمة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والمواطن، وأخيرا كتجربة لتحقيق الوحدة السياسية على مراحل .


    أما التجربة العربية فأولا دراستها كانت  كتجربة للتكامل بين أقطار ينظر إليها على أنها مصطنعة  وتعكس واقع التجزئة المطلوب هدمه وتغييره وبناء الدولة الوحدة على أنقاضها، ثم كتجربة للتكامل العربي بين دول غير مكتملة النمو والنضج وتفتقر بالتالي إلى مؤسسات سياسية قوية ومستقرة. ، وأخيرا كتجربة نشأت في ظل ارتباط العديد من الدول العربية بعلاقات وترتيبات خاصة مع قوى خارجية.


مدى قابلية النهج الأوروبي في التكامل للتطبيق في الواقع العربي


     إن كلا من النظام الأوروبي والعربي نشأ في سياقات تاريخية ودولية مختلفة وبالتالي فقد كان من الطبيعي أن يفرز كل منهما مناهج وآليات تكاملية مختلفة تتناسب مع هذه السياقات، وكون التجربة الأوروبية في التكامل هي الأنجع والأكثر تحقيقا للإنجازات الملموسة على الأرض ، فقد أصبح هناك ميل للمدح والإنشاد بالتجربة الأوروبية في الكتابات العربية وفي المقابل هناك انتقادات للتجربة العربية ، وفي المقارنة بين التجربتين العربية والأوروبية يرى الكاتب أن إهمال التجربة العربية للمنهج الوظيفي هو السبب في تعثرها ولكن هناك نقطة مهمة أثارها المؤلف وهي مدى توافر التربة الصالحة في إنجاح هذه التجربة على المستوى العربي  لتحقيق نفس النتيجة التي حققتها أوروبا ، فالعوامل الخارجية وإن كان لها دور في ذلك سواء على مستوى الدول العربية أو الأوروبية ، إلا  أن الدور الأساسي في إنجاح التجربة هي العوامل الذاتية أو الداخلية وحدها  وبالتالي وحسب ما أتى به حسن نافعة وحرفيا هو أن إنجاح أي تجربة  تكاملية مرهون بقدرة القائمين عليها بـ:


- فهم وتشخيص عوامل القوة والضعف الفعلية والكامن، مع محاولة الاستفادة من عوامل القوة إلى أقصى حد ممكن ، والتغلب في الوقت نفسه على عوامل الضعف لصالح دفع العملية التكاملية.


- فهم وتشخيص طبيعة الفرص والمحاذير التي قد تتيحها أو تفرضها موازين القوى العالمية والإقليمية المحيطة بالتجربة التكاملية ، واختيار أنسب الوسائل الملائمة لتحقيق أهدافها المرجوة بما يتلاءم وهذه العوامل والموازين .


وأخيرا وما يمكن قوله هو أن  هذا الكتاب عبارة عن محاولة لعرض التجربة الأوروبية من خلال تطبيق وخاصة النهج الوظيفي بنجاح  وذلك يرجع - كما سبق ذكره - إلى عوامل مهمة  أهمها تحييد الخلافات السياسية وتجنب تأثيراتها السلبية في العملية التكاملية، ثم بناء مؤسسات فعالة قادرة على إدارة العملية التكاملية ، وثالثا في كيفية ضمان تقدم العملية التكاملية إلى الأمام واستمراريتها.

 لكن وللأسف الواقع العربي  وبأوضاعه الحالية لا يوحي بنجاح هذه التجربة بمثل نجاحها في أوروبا إذا لم تتوافر الشروط ذاتها التي نجحت من خلالها وبها التجربة الأوروبية.


الأوروبي والدروس المستفادة عربيا
 حسن نافعة
 626 صفحة
الطبعة الأولى، 2004
مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت

التعليق