هل الهيمنة الأميركية في طريقها للتلاشي؟

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

 
 
      عندما تظهر قوة واحدة تسيطر على مقدرات العالم تبدأ التساؤلات الفكرية عن إمكانيات استمرار أو فشل هذه الهيمنة الأحادية، وتأتي تحليلات ضمن ما يسمى علم المستقبليات، ويمكن تصنيف كتاب “The End of the American Era “  ضمن قائمة تلك الدراسات.


       يعتمد المؤلف "تشارلز كبتشان" في كتابه على فكرة أساسية وهي غياب إستراتيجية كبرى تحكم سلوك واشنطن، معتبراً أن هذا الغياب سيؤول بالهيمنة الأميركية إلى مصير مشابه لما حصل مع الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس ذات يوم.

 ويدعم "كبتشان" وجهة نظره من خلال حالة تخبط السياسات التي تشهدها الولايات المتحدة والماثلة بوضوح في تعاملها مع كل من روسيا والصين. ويورد الكاتب العديد من الأمثلة لتدعيم وجهة نظره، على سبيل المثال، الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بيل كلينتون أخلّت بالشراكة الإستراتيجية مع الصين واختارت إرسال سفن حربية باتجاه تايوان وبناء نظام دفاع صاروخي مما حفز الصين نحو زيادة ترسانتها النووية.

ومن جهة أخرى دأبت واشنطن في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي التأكيد على ضرورة دمج روسيا في المجتمع الغربي لكن السياسة على أرض الواقع كانت بخلاف ذلك حيث اتجهت واشنطن لتوسيع حلف الناتو في وسط أوروبا وتقريبه من الحدود الروسية مما جعل تلك الخطوات مشوبة بالكثير من التخوف والشك الروسي.


       ولعل من النقاط الهامة في الكتاب الإشارة إلى أن مهمة إعداد إستراتيجية كبرى تقود الولايات المتحدة أثناء فترة الحرب الباردة كان أكثر سهولة مما هو الحال عليه الآن، لأن الخطر الشيوعي المتجسد بالسوفييت جعل التخطيط الإستراتيجي أمرا لا مفر منه، أما ظروف العالم الحالية التي يغيب فيها خصم حقيقي يهدد الوجود الأميركي تجعل وضع الإستراتيجيات أمرا ليس من السهل تحقيقه، ولا ينسى الكاتب الإرهاب باعتباره الهم الأميركي الأول والذي أصبح هاجساً لتحركها الداخلي والخارجي، إلا أن "كبتشان" يرى بأن هذا العدو الخفي لم يزد تلك الإستراتيجية إلا ضبابية وتعقيد.


        وإذا أطلقنا صفة "التفاؤل" على كل من يقول بالانتهاء الوشيك للحظة الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم، فإن هذا الكتاب سيعزز تفاؤلهم، إذ يؤكد المؤلف بأن لحظة القطبية الأميركية سوف لن تتعدى هذا العقد، ويستند على عدة نقاط أساسية منها أن أية قوة مهيمنة لم تستطع الاستمرار للأبد وسيأتي يوم لتشعر بالتعب من دور الشرطي الكوني خاصة في ظل وجود قوى صاعدة، وفي الحالة العالمية اليوم نشهد الآن قوة متصاعدة من آسيا وبخاصة اليابان والصين وقوى أوروبية منطلقة وبقوة وليس ذلك فحسب بل إنها متذمرة من استمرار القطبية الأحادية.


        لا ينفي الكاتب بأن الأوضاع الجيوسياسية الحالية الدافعة لتحول العلاقات الأميركية الأوروبية لا تزال في مراحلها الأولية، لكنه وبنفس الوقت يضع القارئ ضمن عدد من التطورات الهامة التي طالت تلك العلاقات منذ أيار 2001 حينما صوتت دول الاتحاد الأوروبي لصالح طرد الولايات المتحدة من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة احتجاجاً على عقوبة الإعدام المطبقة في بعض الولايات الأميركية. وفي نفس الفترة فقدت واشنطن مقعدها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للمنظمة الدولية.

وفي تموز 2001 اعترضت الولايات المتحدة على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وقبل ذلك بشهر تحالفت دول الاتحاد الأوروبي واليابان بالإضافة إلى أكثر من مائة دولة للتوقيع على بروتكول "كيوتو" الخاص بالبيئة وذلك بعد انسحاب واشنطن من تلك المعاهدة.


      وعلى الرغم من التحليل الجيوسياسي الغني الذي يعتمد عليه الكتاب إلا أن رؤيته الخاصة بالتردد الأميركي الطاغي على السياسات الخارجية لواشنطن ليست صائبة تماماً، في إحدى فصول الكتاب يتحدث "كبتشان" عن كون سياسة الولايات المتحدة مترددة أكثر من كونها سياسة طغيان جشع، معتبراً أن أبرز ما يدل على ذلك هو التردد الأميركي في احتلال بغداد خشية تعرض قواتها العسكرية إلى مخاطر هائلة وتهديد منابع النفط في المنطقة. لكن الأحداث التي تبعت صدور الكتاب أثبتت خطأ المؤلف، حيث شنت أميركا حرباً على العراق ولا زالت تتواجد هناك، والسمة التي اعتبرها "كبتشان" (تردداً) في غزو العراق والإطاحة بنظامه السابق، لم تكن تردداً بمقدار ما كانت حشداً للجهود وتنظيما لقيادة حرب أثبت الزمن أنها لم تكن سهلة.


      من الأمور الملفتة للنظر في الكتاب، التحذير في أكثر من فصل من مسألة هامة في المجتمع الأميركي الذي بات يفتقر إلى جيل شاب من المخططين الاستراتيجيين، خاصة أن الجامعات ومراكز الأبحاث لم تعد تشجع على التفكير الإستراتيجي مما أدى إلى ضحالة فكرية ينصب تركيزها على ثورة الإنترنت وسياسات السوق حتى أن أحد الاستطلاعات التي أجريت عام 1999 أظهرت أن 35% فقط من الشباب الأميركي يعرفون اسم رئيسهم.


       وعلى الرغم من أن الكتاب يحمل بشرى لكل من يأمل بانتهاء الهيمنة الأميركية إلا أن المؤلف يرى أن تراجع هذه الهيمنة سيحمل عواقب وخيمة على عالم اعتادها ولم يساهم في خلق قطب آخر حقيقي وفعّال.

 والبديل الأمثل للوضع الحالي هو عودة منظمة غير عشوائية للقطبية المتعددة ، أما إذا أرادت واشنطن استمرار هيمنتها الأحادية فسوف تخلق بنفسها بذور فناء سيطرتها حيث سيتنامى التذمر الشعبي وتتراجع القوة الأميركية ليصبح العالم مسرحاً من الحروب، ومن هنا لابد أن تعمل واشنطن "كما يرى الكاتب" على عودة الأقطاب المتعددة وتشكيل التحول العالمي الجديد.


       بقي أن نشير إلى أن د.تشارلز كبتشان هو أستاذ جامعي في جورج تاون وكان مديراً للشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي أثناء الإدارة الأولى لبيل كلينتون.


The End of the American Era: U.S. Foreign Policy and the Geopolitics of the Twenty-first Century
by CHARLES KUPCHAN 2002

التعليق