الجيش والتنمية

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً


قرار الحكومة بإحالة عطاء جر مياه الديسي الى عمان على القوات المسلحة حقق هدفين هامين, الاول انهاء المسلسل الطويل من الدراسات والخيارات والتردد الذي رافق الحديث عن هذا المشروع, والدخول في مرحلة التنفيذ لمشروع حيوي واستراتيجي مع تخصيص (200) مليون دينار من عوائد التخاصية لتمويل هذا المشروع من قبل الحكومة، مما جعل من هذه العوائد مكانا مفيدا واستثمارا يعود بالنفع على كل الاردنيين واجيالهم القادمة.

اما الهدف الثاني فهو الاستفادة من مخزون الخبرة والتجربة والكفاءات والانضباط الذي يتوفر في القوات المسلحة والتي يمكن ان تؤدي دورا كبيرا في الحياة الاقتصادية الاردنية تماما مثل اي جزء من القطاع الخاص, فالقوات المسلحة لم تعد تجمعاً لمقاتلين، بل مؤسسة تضم كل الخبرات، سواء فيما يتعلق بدورها العسكري، وهذا ما اثبتته مشاركاتها في قوات حفظ السلام الدولية, او في مجالات التنمية والحياة الاقتصادية المختلفة، ويتوفر فيها ما لا يتوفر لمؤسسات المدنيين في القطاعين العام والخاص من انضباط والتزام وقدرة على المتابعة, وهي دائما ذراع الدولة في الظروف غير العادية حتى في اوقات الثلوج.

وتوسيع دائرة الاستفادة من هذه المؤسسة الوطنية يوفر لها فرصة تعزيز مواردها المالية, وربما يجعل ميزانية القوات المسلحة تتشكل من انتاج وعمل وجهد اقتصادي انتاجي بحيث تكون فرص تعزيز قدراتها متوافرة وليست اسيرة لضعف الموارد العامة للدولة, وقد ينعكس هذا على مستوى دخل منتسبي القوات المسلحة، الذين يستحقون دائما كل دعم ورعاية سواء من حيث الرواتب او الامتيازات, فالجيوش في الدول صمام الامان التي تجعل معادلة الحياة منتظمة طبيعية, وتحقق لمسار الدولة القدرة على الصعود الايجابي.

واسناد مشروع الديسي الى القوات المسلحة يجعلنا نتفاءل بامكانية توسيع دائرة التفكير بقدرات الجيش في كثير من المجالات العلمية والتعليمية والتنموية والصناعية, وقد يكون هذا الامر سهلا وميسرا لأن طبيعة عمل المؤسسة العسكرية يجعل تصنيف القدرات والكفاءات ميسرا، كما ان هذه المؤسسة تضم قوى بشرية بأعداد مناسبة وذات تأهيل خاص حتى لتلك الفئات غير الفنية, وربما يحتاج الامر الى منهجية لا تعجز عنها عقول ابناء الجيش بالتعاون مع الحكومة, كما ان المعدات والاجهزة الفنية لدى القوات المسلحة تشكل بنية تحتية ايجابية لتوسيعها والاستفادة منها.

والمنطلق الاهم في ادارة عمليات التنمية والعجلة الاقتصادية، يقوم على الاستفادة من كل نقاط القوة في مؤسسات الدولة, واذا عدنا الى الاجندة الوطنية التي تشكلت لها لجنة ملكية، فإن ادارة الموارد البشرية احد اهم محاورها وليس هنالك مؤسسة قادرة على تقديم فعل وطني تنموي اكثر من المؤسسة العسكرية, وبخاصة انها تقوم على عناصر الشباب والكفاءة والتأهيل والتدريب, ولعل التطورات الاقليمية خلال العقد الماضي تفرض اعادة النظر ببعض الادوار تماما مثلما كانت المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية، التي لم تكن فعلا سياسيا وامنيا فقط، بل ذات مردود اقتصادي على منتسبي المؤسسة العسكرية والفئات الاجتماعية التي يعيشون فيها.

قرار جريء وحكيم باسناد مشروع جر مياه الديسي للقوات المسلحة, ونتمنى ان يتبعه عمل مؤسسي للاستفادة من هذا المخزون الاستراتيجي من الخبرة والكفاءة والقوى البشرية الاردنية، ضمن اطار علمي ومنهجية تنسجم مع الخط الاقتصادي الاردني وحق المنافسة للجميع.

التعليق