أميركا عادت صاغرة إلى أوروبا

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

      الذين تسرعوا في الحكم على الوضع العالمي حين اعتبروه وقع في براثن نظام أحادي القطبية الاميركية عليهم ان يراجعوا حكمهم هذا على ضوء زيارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش الى اوروبا. وهؤلاء, وان تناقضوا في الموقف من اميركا, الا انهم اتفقوا في القول ان اميركا تنفرد في تقرير السياسات الدولية وان نظاماً أحادي القطبية يسود في العالم, فكيف سيتناقضون ويختلفون الان؟


      والدليل الجديد على ان ذلك التقدير كان خاطئاً جاءت به زيارة بوش الى اوروبا. فقد بدا واضحاً من قراءة خطاب بوش في قاعة "كونسيرنوبل" في قلب بروكسيل, انه جاء يخطب ود الاوروبيين, ويدعوهم للشراكة, ولإحياء التحالف الاطلسي. وبهذا يكون قد تراجع, بصورة مذلة, عن كل ما قاله هو, او ديك تشيني نائبه, او وزير دفاعه دونالد رامسفيلد, او مستشارته كوندا ليزا رايس للامن القومي طوال ثلاث سنوات, في التقليل من شأن اوروبا او العلاقة بها, او الحاجة اليها. فالكل يذكر نظرية "ان اميركا لم تعد بحاجة الى حلف ثابت (المقصود حلف الناتو) وانما ستقيم "حلف الراغبين وفقاً لكل قضية", او ما قيل عن "اوروبا القديمة واوروبا الجديدة", او عن قدرة اميركا لفتح جبهتين عسكريتين واكثر من دون حاجة الى مساعدة اية دولة اخرى والكل تابع كيف ترجم هذا الكلام, عملياً, في دعم الحرب التي شنها شارون على الشعب الفلسطيني, او غزو العراق واحتلاله, أو ادارة الظهر لمجلس الامن الى حد الاعلان عن انهاء اي دور لهيئة الامم المتحدة التي لم تعد تعكس ميزان القوى العالمي الجديد.


      اما في الزيارة الاخيرة فقد اختلف الخطاب, فأصبحت اوروبا القوية (الموحدة) قوة لأميركا. وفرنسا حليفاً يحاور كشريك وند, وكذلك ألمانيا.

ونسيت كوندا ليزا رايس انها توعدت بمعاقبة فرنسا, وتهميش ألمانيا. وهنا يبرز السؤال من تراجع أمام الآخر؟ فعلى الرغم من ان الجواب واضح جداً إلا أن إصرار البعض على قراءة هذا التطور الجديد باعتباره عودة اوروبا الى بيت الطاعة الاميركي, وان الذي حدث يعبر عن خضوع اوروبا لأميركا, هو الذي أوجب طرحه واعادة التذكير بالتصريحات والمواقف الاميركية خلال الثلاث سنوات الماضية.


       بيد ان الاهم من التشديد على ان اميركا هي التي انكسرت وغيرت في استراتيجيتها, هو ضرورة التوقف عند التداعيات المتوقعة لعودة التحالف الاميركي- الاوروبي, لان هذا التحالف اذا ما تثبت ورسخ سيضع بصماته على النظام العالمي كما على جملة من القضايا الاقليمية, وفي مقدمتها تلك المتعلقة بفلسطين والعراق ولبنان وسورية وايران وسائر الدول العربية.


       والان, اذا صح ان اميركا هي التي عادت الى التحالف الاطلسي الذي لم تكف اوروبا على التمسك به, والدعوة اليه, فإن من غير الممكن تفسير ذلك الا باعتباره شهادة فشل للاستراتيجية الاميركية المعلنة في 20 ايلول/ سبتمبر 2002.

وبالطبع يرجع الفضل الاول بذلك الى ما ابداه الشعب العراقي من مقاومة وممانعة للاحتلال الاميركي. الامر الذي ادخل الادارة الاميركية في مأزق تحتاج معه الى طلب النجدة. وقد صاحب ذلك وسبقه صمود الشعب الفلسطيني وانتفاضته ومقاومته, وهو ما يجب ان يسجل فشلاً ليس لشارون وحده وانما لبوش كذلك.

ثم تعزز كل ذلك بما لحق بالسياسات الاميركية من فشل حين لم تسقط "احجار الدومينو" بعد احتلال بغداد. وزاد طينها بلة حين وجدت ادارة بوش نفسها في عزلة عن الرأي العام العالمي فيما جعلت مراكز القوى العالمية الاخرى تتقدم بخطى حثيثة: الوحدة الاوروبية (واليورو), والصين والهند وروسيا وعدد من دول اميركا اللاتينية. وبكلمة: كل شيء أفلت او راح يتفلت من يديها.


      أما من الجانب الاخر فقد انتقل موضوع البرنامج النووي الايراني الى موقع الاولوية بالنسبة الى الاستراتيجية الاسرائيلية ومن ثم الاستراتيجية الاميركية المتماهية معها.

الامر الذي اوجب بدوره ان تتقدم اميركا من اوروبا في محاولة لاستعادة دور التحالف الاطلسي اذا اريد خوض معركة جديدة ضد ايران.

 ومن ثم التمهيد لها بخوض معركة ضد سورية ولبنان وعلى التحديد من اجل نزع سلاح حزب الله من جنوبي لبنان.


      ومن هنا تكون الاستراتيجية الاميركية الجديدة وعنوانها الاول "العودة الى التحالف الاطلسي" شهادة صريحة على فشل استراتيجيتها السابقة وما تسببت لها من مآزق خانقة.

 ولكنها تحمل من جهة اخرى مشروعاً هجومياً على مستوى عالمي, ومسرحه الاول منطقتنا العربية- الاسلامية.

 الامر الذي سيعقِّد المواجهة ضد الهجمة التي راحت تشنها على لبنان وسورية كما راح يدخل عناصر جديدة في معادلة الصراع في العراق وفلسطين وفي مواجهة البرنامج النووي الايراني, كما في الضغوط على الدول العربية لا سيما مصر والسعودية الى جانب هجمة التطبيع الشارونية مع عدد من الدول العربية.


     صحيح ان اميركا متحالفة, بقوة, مع اوروبا اقوى منها منفردة او مشتبكة بها الا ان التحالف مع اوروبا له ثمنه الباهظ متعدد الاوجه اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. فاوروبا تريد شراكة و ندية في إقامة نظام عالمي بحيث تجعله ثنائي القطبية, عملياً, ان امكن. ولهذا فهي تطلب من اميركا رفع الحظر عن ايصال التكنولوجيا العسكرية العالية لها او عن مشاركتها في المواقع الرئيسية داخل حلف الاطلسي, ومن ثم لم تعد تقبل بحصة صغيرة في المغانم ومواقع النفوذ.


      أما ادارة بوش فما زالت بعيدة من القبول بهذا المستوى من الشراكة فالذي سعت اليه حتى الان هو إعادة الدفء الى العلاقات وابداء الرغبة في احياء حلف "الناتو", والاتفاق في الموضوع اللبناني- السوري, والقبول بوجهة النظر الاوروبية في اعطاء المساعي الدبلوماسية اولوية في معالجة البرنامج النووي الايراني. لكن من دون التفاهم على الخطوة الثانية في حالة تعثر تلك المساعي, او فشلها. واخيراً وليس آخراً الاتفاق على التعاون في الموضوع الفلسطيني من دون ان يحدد كيف والى اي حد؟ لان هنالك مشكلة مع شارون في هذا الامر لم تحل بعد.


     وخلاصة, ثمة تطور جديد سيشهد الوضع العالمي كما الوضع في منطقتنا مع انطلاقة التحالف الاميركي- الاوروبي الجديد ولو في اطار حدوده الاولى. لكن قضايا الخلاف الاساسية بين اميركا واوروبا لم تمس بعد, وهي التي ستقرر مستقبل هذا التحالف وهو ما يجب ان يرصد في قابل الايام.


      على ان تداعيات هذا التطور بحدوده الاولية تتوقف من جهة اخرى على كيفية استجابة كل من روسيا والصين وبلدان العالم الثالث لمواجهته. الامر الذي سيجعل المشهد العالمي والمشهد في منطقتنا العربية والاسلامية غير ما كان عليه خلال الثلاث سنوات الماضية.

التعليق