الطريق إلى كابل":مسلسل جديد يدعو إلى التأمل فيما وصلت إليه الأمور

تم نشره في السبت 26 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً


 أريد أن أستأذن الصديق جمال أبو حمدان في استعارة العنوان من مسلسله المعروف "الطريق إلى كابل" الذي منع نتيجة لتدخل جهة قوية لم يعد في الإمكان تسميتها علانية. وربما لم تكن المشكلة في منع المسلسل، كما كنا نتحدث مع بعض منذ أيام، ولكن المشكلة في التعتيم على الجهة التي تدخلت وطلبت وقف عرض المسلسل وسحب كلّ النسخ حتى أن أحد حكام المنطقة لم يوفق (كما قيل) في الحصول على نسخة كاملة للاطلاع الشخصي.

 ويبدو لنا الآن أمام مسلسل محرج آخر يحمل العنوان نفسه "الطريق إلى كابل" ولكن مع الفارق الكبير بين المسلسلين: الواقعي الذي له بطل حقيقي والروائي الذي له بطل متخيّل مستمد من الواقع.

 بطل المسلسل الجديد هو لبناني (خالد المصري) هاجر من لبنان إلى ألمانيا خلال الحرب الأهلية واستقر هناك بعد أن حصل على الجنسية الألمانية بعد عشر سنوات من الإقامة، وقضى بعدها عشر سنوات أخرى مواطناً ألمانياً صالحاً لا غبار عليه. ومع الزمن أصبح خالد المصري كغيره من الألمان يذهب في مجموعات سياحية إلى المناطق الدافئة في جنوب شرق أوروبا (كرواتيا والجبل الأسود ومكدونيا وألبانيا الخ).

 ومع اقتراب رأس السنة 2003 نصحه أحد الأصدقاء أن يزور جمهورية مكدونيا التي أخذت تنفتح على الغرب وتشجع السياح على زيارتها أملاً في زيادة عائداتها. ولكن هذه الفكرة/الزيارة تحولت إلى كارثة بالنسبة إلى المصري إذ أنه حين وصل إلى الحدود الصربية المكدونية تم احتجازه من قبل الشرطة المكدونية للتحقيق حول علاقاته مع منظمات إسلامية، ثم اقتيد إلى العاصمة سكوبية حيث بقي معتقلاً لمدة 23 يوماً تعرّض فيها إلى استجواب متواصل حول علاقاته بالمنظمات الإسلامية مع اتهامات له بتزوير الجواز (باعتباره مصريا كما يشير لقبه!) والتدرب في معسكر للمجاهدين في مدينة جلال أباد الخ.

 وفي صباح 23 كانون الثاني 2004 تم عصب عينيه وتقييده ونقله إلى مكان سمع فيه هدير طائرات فاعتقد أنه في طريقه إلى ألمانيا. وفي اللحظات الأخيرة من وجوده في مكدونيا تعرّض إلى ضرب وركل وتمزيق لملابسه، وحين أصبح عارياً سمع صوت فلاش كاميرا تصوّره أيضاً. وعندما طُرح في الطائرة غرز له أحدهم إبرة لم يستفق بعدها إلا مع هبوط الطائرة، حيث أعطيت له إبرة أخرى لم يستفق بعدها إلا في سجن.

 ومع عودته إلى الوعي أدرك من خلال الكتابات والأزياء انه في أفغانستان، وبالتحديد في سجن كابول. ومع مرور الأيام اكتشف المصري أن المسؤولين والمحققين الرئيسيين في السجن هم الأمريكيون. وهناك وجد نفسه إلى جوار معتقلين من السعودية واليمن وباكستان وتنزانيا وغيرها. وبعد استجوابات وتحقيقات مريرة لم تكشف عن شيء ومع تدخل ألماني رسمي متأخر، قرر المسؤولون الأمريكيون إطلاق سراحه بعد خمسة شهور فاقتادوه معصوب العينين في طائرة خاصة إلى ألبانيا، ومنها إلى مدينته أولم بألمانيا.

 بعد عودته انشغلت ولا تزال منشغلة الصحافة الألمانية والبلقانية به. فقد بدا أولاً أن قصته أقرب إلى مسلسل فني مفبرك، ولكن السلطات الألمانية المختصة طلبت منه أخيراً شعرات من رأسه للتحقق من الجهة/البيئة التي كان يعيش فيها خلال الشهور التي اختفى فيها، ومع وصول القضية إلى المدعي العام الألماني كانت هناك مشكلتان: التحقق من صدق الادعاء وتحديد الجهة المختصة/المتورطة للادعاء عليها.

 وفي غضون ذلك كانت الصحافة تنشغل في متابعة القضية ما بين الولايات المتحدة ومكدونيا وألبانيا وأفغانستان. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة فقد تجنب مكتب التحقيقات الفدرالية F.B.I في السفارة الأمريكية في برلين أي رد أو تعليق على هذا الموضوع، ولكن مجلة "دير شبيغل" الألمانية المعروفة ذكرت في عددها الأخير أن واشنطن استخدمت قنوات غير رسمية للإعراب عن أسفها لبرلين عن اختطاف خالد المصري (جريدة "شكولي" عدد 26/1/2005).

 ويبدو الآن أنه لدينا كرة ثلج تتضخم يوماً بعد يوم بعد أن نشرت جريدة "الغارديان" أول مقابلة مع المصري وبعد أن نشرت جريدة "واشنطن بوست" أول مقابلة مع محاميه الألماني ألفرد غنيدوتس. فقد خصص "معهد تقارير الحرب والسلام" المعروف في لندن IWPR تقريره الأخير (رقم 538 بتاريخ 25/1/2005) لهذا الموضوع حيث تمكن معدّو هذا التقرير من الوصول إلى مصادر أمنية واستخباراتية وجوية كشفت معلومات جديدة وأنارت قضايا عويصة لن تمر بسهولة.

 وهكذا فقد كشف هذا التقرير لأول مرة عن اعتراف مصدر أمني بتورط اجهزة أمن مكدونية في توقيف واختطاف المصري، مع الإصرار على انه عومل معاملة "حسنة" وأن توقيفه كان في "فندق"، بناءً على طلب أجهزة مخابرات من "دولة صديقة" في تلميح واضح إلى الولايات المتحدة. ومع أن الناطق الرسمي لوزارة الداخلية المكدونية غوران بافلوفسكي لم يكذّب الخبر ولكنه اكتفى بالقول "لا تعليق"، إلا أن تحقيقات معدّي التقرير في مطار سكوبيه قادت إلى انه بالفعل جاءت طائرة أمريكية من طراز بوينغ 737 من بالمادي مايوركا في 23 كانون الثاني 2004 (أي بالتحديد في اليوم الذي ذكره المصري) لتعاود الإقلاع إلى كابل مع "راكب واحد" لم يذكر اسمه في أية وثيقة.

 وقد أثار هذا التقرير جملة من القضايا مع أساتذة القانون حول مسؤولية مكدونيا عن هذا الاختطاف" وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية ما حدث باعتباره لا يحدث لأول مرة في كدونيا. فقد اندفعت قيادة الدولة في التأكيد على مشاركتها في "التحالف الدولي" لأجل "الحرب على الإرهاب" إلى حد انها استقدمت في 2002 مجموعة من الباكستانيين اللاجئين في بلغاريا المجاورة لتقتلهم في ضواحي سكوبية بعد تزويدهم بازياء وأسلحة تشير إلى انتمائهم إلى منظمات إسلامية متطرفة، وذلك لإثبات دور مكدونيا في مكافحة الإرهاب في المنطقة . وقد أدى اكتشاف هذه العملية المفبركة إلى فضيحة مدروسة لا تزال تلاحق وزير الداخلية السابق لوبر بوشكوفسكي الذي آثر الهرب خارج مكدونيا.

ولا شك ان هذا التقرير الأخير لـ"معهد تقارير الحرب والسلام" في لندن يدفع الآن بكرة الثلج إلى أسفل حيث يفترض أن تتدحرج وأن تتضخم وتدحرج معها رؤوسا في فضيحة أخرى تشهد على ما وصلنا إليه في البلقان وغيره.
ـــــــــــــ
* مدير معهد بيت الحكمة/ جامعة آل البيت

التعليق