الصحف المصرية لاعب رئيسي في قضية المُعارض أيمن نور

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

مثلت معالجة الصحف المصرية، بمختلف توجهاتها، لقضية المُعارض المصري د.أيمن نور رئيس حزب الغد إشكالية حول مدى التزام هذه الصحف بالأيديولوجيا التي تتبناها أو مبادئها السياسية، أو حتى التزامها بالسياسة التحريرية، وظهرت محددات أخرى انساقت الصحف المصرية في تناولها، أخذت في أغلبها إما سياقا شخصيا وموقفا مُسبقا من نور، أو دوافع أمنية تربط هذه الصحف ببعض الجهات، والتي حددت بشكل كبير طبيعة معالجتها، مما جعل هذه الصحف فاعلاً رئيسياً في مُجريات الاتهام الموجه إلى نور بتزوير توكيلات لتأسيس حزبه بعد أن رفعت حصانته البرلمانية، ووضع تحت الحبس الاحتياطي لمدة 45 يوماً رهن التحقيقات.


وكشفت الوقائع التي ساقها المحامي أمير سالم مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان خلال مؤتمر عقد في مقر نقابة الصحفيين حول قضية نور الأحد الماضي عن الالتباسات التي وقعت فيها الصحف المصرية حيث ذكر المحامي سالم، وهو أحد أعضاء هيئة الدفاع عن نور أن بعض وقائع التحقيقات والأسئلة التي وجهت إلى نور من نيابة أمن الدولة ذُكرت في بعض الصحف المصرية مثل صحيفتي "صوت الأمة" و"الأسبوع" قبل أن يتم تناولها، وهو ما أثار النيابة ذاتها في الكيفية التي سربت بها هذه المعلومات قبل أن تذكرها جهات التحقيق.


ورغم أن ذلك يمكن تبريره بأن بعض المعلومات تسربت عن طريق تحريات المباحث سواء تحريات أمن الدولة أو مباحث الأموال العامة التي تتولى التحقيق في القضية، إلا أن الواقعة في حد ذاتها تكشف عن التدخلات في مسار القضية، ومحاولة تضخيمها أمام الرأي العام، وهو ما قامت به الصحف الخاصة في مصر، والتي تنوعت في مواقفها بشكل يُثير الانتباه.


نجد مثلا أن صحيفة "صوت الأمة" -التي يرأس تحريرها عادل حموده، والذي يُحسب أنه صحفي راديكالي يتخذ مواقف مُعارضة من الحكومة، حسبما تردد عند إبعاده من مجلة روزاليوسف المملوكة للدولة عام 1997. واتجه بعدها لإصدار صحيفة خاصة هي " صوت الأمة " التي تُعارض عادة سياسة الحكومة المصرية- أخذت في قضية نور شكلاً مختلفاً، ففي الأسبوع الأول من تفجر القضية خرجت الصحيفة بمانشيت رئيسي يقول:" أيمن نور يسعى إلى حكم مصر" وذكرت في متن الموضوع الذي تناولته ما ساقته جهات الاتهام عن أيمن نور، بل إن الصحيفة سردت في موضوعها بعض الجوانب الشخصية لحياة نور وشككت في ذمته المالية، وكتب رئيس تحريرها مقالاً ربط فيه بين حزب أيمن نور الذي يأخذ اللون البرتقالي شعاراً له والثورة البرتقالية التي تفجرت في أوكرانيا، والتي تسببت في إعادة الانتخابات وأدت إلى فوز يوشينكو زعيم المعارضة اليمينية القريبة من الولايات المتحدة الأمريكية. وربط رئيس تحرير صحيفة "صوت الأمة" بين ما حدث في أوكرانيا وحزب أيمن نور ذي اللون البرتقالي بأسلوب استفهامي، وهو ما اعتُبر تحريضا ضد أيمن نور.


واستمرت صحيفة " صوت الأمة " في أسبوعها الثاني في تناول موضوع نور على مساحة كبيرة ذكرت فيه معلومات متبادلة من كافة الأطراف إلا أن هناك تناولا اعتبره المُنتمون لحزب الغد تحريضاً ضدهم ومحاولة التأليب عليهم من الداخل خاصة وأن مانشيت الصحيفة ظهر يقول: "هل يتحول حزب الغد إلى حزب للأقباط " وذلك في إشارة منه إلى تولي د.منى مكرم عبيد المسؤولية عن الحزب بعد غياب رئيسه، كما قالت الصحيفة إن توقف جريدة الغد جاء نتيجة الانفلات السياسي الذي كان يحتويه عددها الأول، وأرجع البعض اتجاه "صوت الأمة" وموقفها من حزب الغد إلى الخلاف بين أيمن نور ورئيس تحريرها عادل حموده والذي يُعد أحد أسبابه العلاقة الجيدة التي تجمع بين أيمن نور ورجل الأعمال رامي لكح الذي خرج من مصر بعد أن أُسقطت عضويته بمجلس الشعب لازدواج جنسيته، ووجهت إليه اتهامات بالتهرب من سداد قروض ضخمة للبنوك المصرية. وكان لكح قد ساهم في إصدار صحيفة "صوت الأمة" ولكنها تعطلت في البداية، ثم حدثت خلافات قوية بين لكح والمسئولين في صحيفة صوت الأمة. أما الموقف الثاني لأخذ صوت الأمة موقفاً اعتبر معاديا لأيمن نور فهو اختلاف رئيس مجلس إدارة الصحيفة والمالك الرئيسي فيها عصام إسماعيل فهمي مع نور لأن الأخير منشق عن حزب الوفد وهناك خصومة بينه وبين رئيسه د.نعمان جمعة وعصام فهمي عضو في اللجنة العليا للوفد.


واتخذت صحيفة "الأسبوع" المستقلة -قانونا- ويرأس تحريرها وإدارتها مصطفى بكري موقفاً متوازناً في قضية نور في البداية، وأرجع البعض ذلك إلى العلاقة المتميزة بين بكري ونور، ولكن بعد ذلك تغير موقف الأسبوع وربطت بين القبض على نور واتصاله بجهات أمريكية، وبررت الأسبوع موقفها من القضية إلى العلاقة الجيدة التي تجمع بين نور ود. سعد الدين إبراهيم مدير مركز ابن خلدون والذي سبق أن حوكم أمام القضاء المصري بتهم تتعلق بتلقيه تمويلا من جهات خارجية حتى تمت تبرئته من القضية عام2003. إلا أن صحيفة الأسبوع تداوم على مُهاجمة سعد الدين إبراهيم وجميع أنشطة مركزه دائماً.


وعلى النقيض تماماً اتخذت صحيفة "المصري اليوم" الخاصة وهي جريدة يومية صدرت في مايو الماضي موقفاً متزناً ومحايداً في قضية أيمن نور وتمكنت من طرح مختلف وجهات النظر في القضية، بل إنها أفردت صفحاتها لأيمن نور وأنصاره للدفاع عن وجهة نظرهم، كما أنها تابعت التحقيق في القضية والتزمت بما تم تناقله من جهات التحقيق وأيضاً رد المسؤولين الحكوميين ووجهة نظرهم في القضية. ولكن البعض أرجعوا هذا الموقف المُتزن لصحيفة "المصري اليوم" إلى أن العضو المُنتدب والمسؤول الإداري لها هو هشام قاسم وهو نائب رئيس حزب الغد للشؤون الخارجية وتربطه علاقة جيدة مع أيمن نور.


وصارت على نفس النهج صحيفة "الميدان" الخاصة التي يمتلكها رجل الأعمال وعضو مجلس الشورى عن الحزب الحاكم محمود الشناوي. ورغم ذلك كانت الصحيفة متوازنة في طرح وجهة نظر أيمن نور ولم تهاجمه كما فعلت مثيلاتها من الصحف الأسبوعية. ويرجع ذلك إلى العلاقة الخاصة والزمالة السابقة التي جمعت نور ورئيس تحرير "الميدان" سعيد عبد الخالق، اللذين استُبعدا معاً من صحيفة الوفد لخلافهما مع نعمان جمعة رئيس الحزب.


وهذا ينقلنا إلى موقف صحف المعارضة حيث كان هناك اعتقاد أن تدافع عن نور على أساس أنه ينتمي لصف المعارضة إلا أن صحيفة الوفد وهي أكثر الصحف المعارضة تأثيراً لأنها تصدر يومياً، ولها تاريخ في معارضة الحكومة خاصة فيما يتعلق بالتنكيل بالمعارضين السياسيين اتخذت موقفاً معادياً جداً لأيمن نور وكانت أكثر الصحف مهاجمة له، وأخذت تغطيتها شكل "الشماتة" فيه ويعتبر ذلك أمرا متوقعاً خاصة وأن الوفد يعتبر خروج حزب الغد الذي يتبنى خطاباً ليبرالياً مثله، ضربة له، نظرا لأن العديد من أعضاء الوفد الذين كانوا يمثلونه في البرلمان انتقلوا لحزب الغد.


بينما لم تتبن صحيفة "الأهالي" الصادرة عن حزب التجمع اليساري موقفاً في هذه القضية لدرجة أنها لم تُفرد أي مساحة غير أسطر قليلة، وظهر أن الجريدة تحاول الابتعاد عن تناولها سواء بالسلب أو الإيجاب، وهو الموقف المُشابه الذي اتخذته صحيفة الأحرار اليومية الصادرة عن حزب الأحرار المُعارض، حيث اكتفت فقط بخبر القبض على نور وتابعت تفاصيل تحقيقات النيابة معه.


وتعد صحيفة "العربي" وهي صحيفة الحزب الناصري أكثر صحف المُعارضة مناصرة لأيمن نور وأفردت حواراً مع زوجته، كما كتب العديد من كتابها مقالات تؤيد نور وتعتبر أن ما تعرض له تلفيقا حكوميا، وذلك رغم الخلاف الأيديولوجي الواضح بين ناصرية وقومية "العربي"، و"ليبرالية" حزب الغد، لكن المُلاحظ أن "العربي" اتخذت في الفترة الأخيرة موقفاً عاماً في الدفاع عن المُعارضين السياسيين خاصة المختلفين مع رئيس الجمهورية والمُطالبين بتغيير الدستور، وهو ما كان يدعو إليه نور قبل القبض عليه.


وكما كان متوقعاً فقد اتخذت الصحف القومية بمختلف أنواعها سواء المُنتمية لمؤسسة الأهرام أو الأخبار أو الجمهورية موقفاً مُحابيا لوجهة النظر الحكومية وجهات التحقيق في القضية، واعتبرت أن قضية نور جنائية وليست سياسية، يُستثنى من ذلك مجلة المصور الصادرة عن دار الهلال التي حاولت أن تعرض مختلف وجهات النظر في قضية أيمن نور.

التعليق