تطبيع

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً


بعض ما يجري هنا وهناك يذكرنا ببعض المعارك التي ما زالت اثارها حاضرة في ساحتنا السياسية ومنها قضية مقاومة التطبيع وبعض تفاصيل مثل ما عشناه سابقا حول مشاركة احد النواب المهندسين في حوار تلفزيوني شارك فيه مسؤول اسرائيلي حتى وصل الامر الى القضاء وانشغلنا جميعا حكومة ونوابا واعلاما واحزابا  ونقابات في الاصطفاف في خندقي الازمة.


يوم الجمعة قبل الماضية بثت قناة الجزيرة برنامجا حواريا شارك فيه احد قادة حركة حماس في الضفة الغربية حسن يوسف, وهو مجاهد خرج من سجون الاحتلال قبل اشهر قليلة, والى جانبه كان ياسر عبدربه احد قادة منظمة التحرير وكانوا جميعا في رام الله, وعبر الاقمار الصناعية من اسرائيل شارك مجلي وهبي احد  نواب حزب الليكود في الكنيست الصهيوني, لكن هذا ليس موقعه الاهم فهو من المقربين جدا لشارون, وكان يوصف قبل تولي شارون لرئاسة الحكومة الصهيونية بانه من مستشاري شارون, وزار دولا عربية بهذه الصفة وتمت استضافته في البرنامج باعتباره ممثلا لوجهة النظر الاسرائيلية ومدافعا عن موقف شارون ومنددا بما يسمى العنف الفلسطيني.


وخلال هذا اللقاء كان قائد حماس يتحاشى النظر الى شاشة التلفزيون التي يظهر عليها المسؤول العربي الاسرائيلي وهذا نوع من الاستجابة للضمير, وخوف من المشاهدين الذين قد يرى بعضهم في المشاركة في البرنامج تطبيعا تجب مقاومته وفق مقاييس ساحات عربية اخرى بما فيها ساحتنا الاردنية, ورغم هذا لم يصدر اي بيان يندد بالشيخ حسن يوسف, ولم يوضع في قوائم او يتم اتهامه بوطنيته ودينه, وللتوضيح فاننا لا نطالب بهذا ولا نصدر حكما على ما فعله الشيخ او تقييما لما جرى, لكنها اشارة الى اهمية المعايير الموحدة التي ليس من السهل ان نمتلكها جميعا في كل القضايا الا اذا امتلكنا منطلقات مشتركة بما في ذلك تعريفات موحدة ومصطلحات بدلالات واضحة ومتفق عليها اضافة الى جرأة في تطبيق كل هذا على الجميع.


وربما يأخذنا هذا الى قضية اكثر شمولا في موضوع التطبيع وتخص قناة الجزيرة الفضائية ذات الدور الكبير وربما الاهم في ساحة الاعلام العربي, فهذه القناة تمارس ما يمكن تسميته تطبيعا, حيث تستضيف المسؤولين الاسرائيليين, وتجري حوارات ومقابلات لكبار قادة الحكومات الاسرائيلية, وفي كل متابعة لقضايا المسار الفلسطيني يظهر على الشاشة مسؤول في الخارجية وحتى في قوات الجيش والامن الاسرائيليين, ومع ذلك فلا توضع هذه القناة في قوائم المقاطعة, ولا ادارتها من اعلى هرمها وحتى كافة العاملين والضيوف من ابناء الحركة الاسلامية العاملين, أو السابقين. ولا يتردد اي مقاوم للتطبيع في التعامل مع القناة, بعكس حالات من الحماس والقتال في مواجهة ممارسات تطبيعية اخرى اقل تأثيرا, واقرب الى الفعل الفردي منه الى سياسة عامة, وهذا الفعل لا تمارسه الجزيرة فقط بل يحدث احيانا من قنوات اخرى مثل العربية وابوظبي.


ما نقوله ليس رفضا او قبولا لسياسة هذه القنوات,  وليس تحريضا عليها او مطالبة باي رد فعل, بل محاولة لايجاد ارضية مشتركة في اتخاذ المواقف واصدار الاحكام, فالتعامل مع عمليات التطبيع يأخذ اشكالا مختلفة ويمارس وفق منظومة من القناعة او المصلحة او الضغط, ولا يجوز ان تأخذ هذه القضية شكلا فرديا وبروح التحدي, او ان تكون جزءا من صراع سياسي بين معارضة وحكومات.


التطبيع الذي نرفضه باعتباره اداة تعزيز للاختراق الصهيوني, معركته ذات طابع ثقافي حضاري, وادارة  هذا الملف تتم بعمل منهجي قائم على فهم حقيقي للمخاطر,  لكن بعضنا احيانا يستغرق فيما يمكن تسميته انتصارات وهمية, وهذا الضجيج الذي يصاحب هذه المعارك يغطي على عمليات الاختراق الحقيقي للساحات العربية, ورغم رفض ان يقوم شخص بزيارة اسرائيل بدعوة من جهة ما او للقاء مسؤولين او جهات ، فان هذا يجب ان لا يدفعنا لادانة هذا الفعل وخوض المعارك السياسية بينما تجري من تحت أقدامنا مياه الاختراق الاكثر تأثيرا في بنية مجتمعنا العربي.

التعليق