انهاء الاحتلال هو المرجعية للسلام

تم نشره في الأربعاء 23 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً


كما هو معتاد في الصراع العربي - الاسرائيلي تركز اسرائيل طاقتها على فرض رؤيتها وروايتها في كل مرحلة. وحالما تنجح في ذلك, تضع الجانب الفلسطيني او العربي في الزاوية وتجبره على تقديم التنازلات.

لسنوات طويلة بعد حرب عام 1948 كانت اسرائيل تصور المشكلة على انها رفض العرب الاعتراف بها, ورفضهم التفاوض معها, وفي غضون ذلك التهمت 78% من اراضي فلسطين ومزقت مشروع التقسيم الذي كانت قد وافقت عليه. وبعد حرب 1967 ادعت اسرائيل انها لا تريد الاحتفاظ بالاراضي المحتلة, ان وافق العرب والفلسطينيون على التفاوض والاعتراف بها, واوقفوا المقاومة لاحتلالها.

وعندما اعترف العرب بها وجلسوا للتفاوض, لم تغير سياستها وفي غضون ذلك ضمت هضبة الجولان والقدس العربية وانشأت مئات المستوطنات في الضفة الغربية، وواصلت تقطيع اوصال الاراضي المحتلة بالطرق الالتفافية والحواجز خلال فترة اوسلو.

وخلال الانتفاضة الثانية ادعت اسرائيل ان المشكلة هي "العنف وغياب الامن ومقاومة الفلسطينيين" وأثناء ذلك بنت جدار الفصل العنصري وحطمت الاقتصاد الفلسطيني وواصلت عمليات الضم والتهويد ورسم حدود الكيان الفلسطيني في اطار بانتوستانات ومنظومة ابارتهايد اسوأ من نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

واليوم, بعد ان حقق الفلسطينيون زخماً جديداً, اولا ببسالة انتفاضتهم وتضحياتهم, وثانيا بعظمة صمودهم في وطنهم, وثالثا بالانتخابات الديمقراطية التي مارسوها, ورابعا بالاتفاق الوطني الموحد على الدخول في هدنة - او وقف اطلاق النار - ووقف العمليات العسكرية, تحاول اسرائيل اعادتنا الى الزاوية وحشر الفلسطينيين في موقف الدفاع عن النفس.

وبدل الاندفاع بزخم ما تحقق بعد الانتخابات الرئاسية واتفاق الفصائل لانتزاع زمام المبادرة, تورطت السلطة الفلسطينية في قمة شرم الشيخ, واعادت لاسرائيل الفرصة لتفرض رؤيتها بأن الامن والترتيبات الامنية والتنسيق الامني هي مرجعية عملية السلام, وسمح لشارون بأن يتهرب من الالتزام بتطبيق خارطة الطريق, واصبح تطبيقها والمحاسبة عليه محصور بطرف واحد هو الجانب الفلسطيني. واليوم يبدو الطريق الوحيد المتفرع من شرم الشيخ, هو طريق الاتفاقات والمفاوضات الجزئية والانتقالية, ومرجعيتها ما يوافق عليه او يرفضه شارون, والعلامات التي يضعها للاداء الامني الفلسطيني.

وما تريده اسرائيل, ان ينسى العالم ان جوهر ولب الصراع الدائر هو الاحتلال والاضطهاد الاسرائيلي للفلسطينيين، وحرمان شعب بكامله من حقه المشروع في تقرير المصير والتحرر والاستقلال. وهدفها تحويل قضية حرية واستقلال شعب الى ترتيبات ادارية لحكم السكان، وربما تحسين احوال معيشتهم وانضباطهم الامني في ظل نظام عبودية وتمييز عنصري. كما ان هدفها تحويل فكرة الدولة المستقلة الى مجرد حكم ذاتي على السكان يقوم بدور الوكيل الامني للاحتلال, دون سيادة على الارض والحدود.

لقد قلنا اكثر من مرة ان المطلوب ادارة للصراع وليس مجرد ادارة للمفاوضات. واذا كان هناك اجماع فلسطيني على وقف عمليات المقاومة العسكرية, فلا بد ايضا من اجماع على استراتيجية سلام فلسطينية مشتركة, عمادها الاصرار على ان مرجعية عملية السلام هي القرارات والشرعية الدولية وانهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال, واداتها الدعوة الفورية, الى مؤتمر دولي للسلام وخطتها تقوم على الجمع بين الكفاح الشعبي غير العسكري وبناء الدعم والتضامن الدولي وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي واسناد الفئات الفقيرة والمحرومة والمتضررة.
واذا كان حافز الحفاظ على الهدنة واحترامها هو الحرص على الوحدة الوطنية، ومنع اسرائيل من تحويل الخلافات الاسرائيلية الفلسطينية الى نزاع فلسطيني داخلي, فإن الحرص على الوحدة يتطلب ايضا الية مشتركة وموحدة لادارة الصراع والمفاوضات السياسية.

ولعل الطريق الوحيد العملي المتوفر لذلك, والى حين استكمال عمليات الانتخاب الديمقراطي للمجلس التشريعي والمجلس الوطني وكافة الهيئات الفلسطينية, هو تمثيل القوى الفلسطينية الرئيسية التي مازالت خارج اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير, وتحديدا حماس والمبادرة الوطنية الفلسطينية والجهاد الاسلامي. ومن ثم تخويل اللجنة التنفيذية مهمة ادارة الصراع او هجوم السلام الفلسطيني وما يرافقه من مفاوضات.

هذا اذا كانت منظمة التحرير كما يقال, هي مرجعية ادارة المفاوضات وليس السلطة فقط, واذا كنا نريد اطارا متيناً لوحدة الموقف بدل التفرع في اتخاذ القرارات السياسية والتفاوضية او النضالية, ومن ثم التفاوض مع كل تنظيم على حدة عند اندلاع كل ازمة, واذا كان الالتزام بالثوابت الوطنية هو برنامج عمل فعلي وليس مجرد شعارات انتخابية, واذا كانت مصلحة الشعب الفلسطيني ومستقبله تتقدم فعلا على كل المصالح الفئوية والفصائلية.
*الامين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية

التعليق