أثر قرار إخلاء المستوطنات على الأردن

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    في خضم الجدل الهائل وغير المسبوق في اسرائيل، تتخذ الحكومة الاسرائيلية القرار الأهم ربما في تاريخها تجاه الفلسطينيين وأراضيهم. فمع مصادقة الحكومة الاسرائيلية على قرار الانسحاب من غزة وبتخويل شارون ووزير دفاعه موفاز بالبدء بتنفيذ خطة الاخلاء، يثبت شارون جديته في موضوع الانفصال الاستراتيجي والتاريخي عن الفلسطينيين. وللوهلة الأولى، يبدو الأمر مشجعا إذ انها المرة الاولى التي يخوض فيها اليمين الاسرائيلي، الذي نشأ حول فكرة اسرائيل الكبرى، معركة أيديولوجية شرسة مع نفسه ويقرر الانسحاب من غزة ومستوطناتها التي كان يتغنى شارون في السابق أن الانسحاب من نتساريم يساوي الانسحاب من تل أبيب!!


     غير أن الحكومة ربطت بين مسألتين متناقضتين في نفس القرار: إخلاء مستوطنات غزة والمصادقة على مسار الجدار العازل في الضفة الغربية. وجاء إرفاق مسار الجدار في قرار الحكومة من أجل تسهيل تمرير القرار داخل الحكومة ومن أجل تسهيل عملية بلع القرار لدى اليمين الاسرائيلي. بمعنى آخر، أراد شارون أن يقوم بعملية الـ pay back الى القاعدة المعارضة للاخلاء ولكن من جيب الفلسطينيين طبعا.


     المسار الجديد للجدار، غير القانوني حسب القانون الدولي وقرار محكمة لاهاي الشهير، سيقسم الضفة الغربية الى قسمين شمالي وجنوبي غير مترابطين وذلك تمهيدا لربط مستوطنة معاليه أدوميم (50 ألف مستوطن)، والتي تقع على بعد 10 كيلومتر تقريبا من القدس الشرقية، بإسرائيل. وسيقضم المسار الجديد للجدار،حسب المصادر الاسرائيلية، حوالي 7% من أراضي الضفة الغربية عداك عن محاصرة ألاف الفلسطينيين وتحويل حياتهم اليومية الى جحيم لا يطاق.


    تشكل عملية الربط بين الإخلاء ومسار الجدار في نفس القرار معضلة للعرب والفلسطينيين الذين يستعجلون رحيل قوات الاحتلال عن غزة. فكيف يمكن الترحيب بهذا القرار الذي يؤدي الى تحرير غزة من نير الاحتلال ويكرس حقائق أخرى في الضفة الغربية تؤثر على فرصة قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة؟!!! أي رسالة يريد شارون ارسالها للعرب الذين منحوه شرعية صانع السلام في قمة شرم الشيخ؟!


    وبالنسبة للأردن، الذي عبر بموقفه بوضوح فيما يتعلق بمسار الجدار والذي قاد حملة مؤثرة في محكمة لاهاي، فإن المسار الجديد يهدد الامن الوطني الاردني. ويوجد اجماع لدى النخب الاردنية سواء في الحكم أو في المعارضة بانه لا يمكن الارتكان الى الوعود الخارجية فيما يتعلق بأمن الاردن الوطني الذي لا يتحقق بشكل معقول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة عل حدود عام 1967 حتى يتمكن الفلسطينيين من ممارسة حياتهم الطبيعية ويستطيع الاردن عندها بلورة هوية وطنية مركبة لكنها واضحة. وهناك رأي سائد لدى المطلعين بحقيقة الامور ان الفشل في قيام الدولة الفلسطينية ومسار الجدار يؤديان الى تحويل اسرائيل الى دولة ثنائية القومية ذات أغلبية فلسطينيية مما قد يدفع اسرائيل الى الالقاء بهم الى شرق النهر مع ما يمثله ذلك من خطر استراتيجي واضح على سلامة الدولة الاردنية وعلى طبيعة وهوية هذه الدولة.


    للأردن الحق كل الحق في التعبير عن خيبة أمله في قرار الحكومة الاسرائيلية وعليه أن يعمل بشكل دؤوب من أجل أن لا تنفذ اسرائيل هذا المسار الخطير.  ولا يمكن النظر الى القرار فيما يتعلق بمسار الجدار بارتياح وثقة في النوايا الاسرائيلية خاصة مع وصول السفير الاردني الى تل ابيب.
 

التعليق