تحالف أساسي وباق

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

   في الأعوام الأخيرة ذكر العديد من الخبراء والمعلقين أن حلف الأطلنطي سوف ينهار ويتفكك أو يصبح عديم القيمة. وبصفتي سفيراً سابقاً لمنظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، فأستطيع أن أقول من خلال خبرتي إن مثل هذه النبوءات الكئيبة ليست بالأمر الجديد. وبصفتي وزيراً للدفاع لدى الولايات المتحدة، فأنا أدرك بوضوح أن الشراكة عبر ضفتي الأطلنطي ما زالت عظيمة القيمة وضرورية كما كانت دوماً.


    ولنتأمل الأحداث التاريخية التي وقعت خلال العام الماضي، والدور الذي لعبته كل من الولايات المتحدة وأوروبا في هذه الأحداث. فقد انضم إلى منظمة حلف شمال الأطلنطي سبعة أعضاء جدد ـ دول تتوق إلى الإسهام في الأعمال التي يقوم بها الحلف بكل ما يتسنى لها من قوة. وفي أفغانستان اختار ثمانية ملايين من الناخبين، 40% منهم من النساء، أول رئيس منتخب في ظل نظام ديمقراطي منذ خمسة آلاف عام. كما أصبح للسلطة الفلسطينية رئيس منتخب بأسلوب ديمقراطي، الأمر الذي يشكل أملاً جديداً في السلام. وفي أوكرانيا أظهر المواطنون البسطاء عمق التزامهم بالانتخابات الحرة النـزيهة.


      وفي العراق تحدى رعايا صدام حسين السابقون التهديدات بكل شجاعة وأدلوا بأصواتهم لأول مرة في انتخابات قدمت لهم حرية الاختيار بين سبعين حزباً سياسياً، بدلاً من حزب وحيد لا منافس له. ولقد توافد الناخبون إلى المراكز الانتخابية على الدواب وعلى عربات تجرها الحمير، وقد مروا بملصقات تتوعدهم بالموت: "إذا أدليت بصوتك فأنت في عداد الأموات". ويا لها من ضربة موجعة تلك التي تلقاها المتطرفون الذين رفض الناخبون فكرهم على نحو واضح.


        وعلى الرغم من الخلافات التي وقعت بشأن العراق، إلا أن مثل هذه القضايا الخلافية ليست بالأمر الجديد بين أصدقاء قدامى. ولنتأمل قليلاً من الانقسامات والخلافات التي نشأت بين أعضاء حلف شمال الأطلنطي طيلة العقود الماضية.

ففي ستينيات القرن العشرين قررت فرنسا الانسحاب من منظمة حلف شمال الأطلنطي وطردها من على الأرض الفرنسية. وفي الثمانينيات وقع شقاق وجدال عميق بشأن قرار الرئيس رونالد ريجان بنشر صواريخ متوسطة المدى في أوروبا. والحقيقة أنني اضطررت باعتباري سفيراً لدى منظمة حلف شمال الأطلنطي في السبعينيات للطيران عائداً لكي أشهد ضد تشريع طرح في الكونجرس الأميركي يقضي بسحب القوات الأميركية من أوروبا في خضم الحرب الباردة.


         لقد أبحر حلف الأطلنطي عبر بحار متلاطمة الأمواج على مر الأعوام، لكننا كنا قادرين دوماً على إيجاد الحلول لأصعب القضايا. والسبب وراء هذا أن الكثير من عناصر الاتحاد تربط بيننا: القيم المشتركة، والتاريخ المشترك، والإيمان الراسخ بالديمقراطية.


واليوم يوجد بيننا عدو مشترك أيضاً. فلقد استهدف المتطرفون كل المجتمعات المتحضرة في كافة أرجاء العالم: في نيويورك وواشنطن؛ وإسطنبول؛ ومدريد؛ وبيسلان؛ وبالي؛ وفي مناطق أخرى عديدة. وهؤلاء المتطرفون لا ينشدون عقد هدنة مع العالم المتحضر، ولا يقبلون التفاوض من أجل التوصل إلى سلام منفصل، ولا شيء أحب إلى نفوسهم من إيقاع العداوة والبغضاء بين أميركا وأوروبا حتى لا يكون بينهما أي عمل مشترك.


        وبعد أن اعتقلت السلطات الفرنسية والألمانية في الشهر الماضي العديد من المشتبه بهم في ارتكاب أعمال إرهابية، بات من الواضح أن أي دولة لا تستطيع بمفردها أن تتولى الأعمال الحاسمة اللازمة لتحقيق النصر في الكفاح ضد المتطرفين. وكثيراً ما تتبادل أميركا ودول أوروبا في هدوء المعلومات الاستخباراتية، وتلقي القبض على الإرهابيين، وتستأصل جذور تمويلهم. ونتيجة لهذا، فقد تم أسر أو قتل حوالي ثلاثة أرباع زعماء تنظيم القاعدة المعروفين، وما زال بقيتهم فارين.


        كما لا تستطيع أي دولة بمفردها أن توقف انتشار أسلحة الدمار الشامل. ولهذا السبب انضمت حوالي ستين دولة إلى المبادرة الأمنية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل في إطار الجهد المبذول لمنع الأسلحة الفتاكة من الوقوع في أيدي أنظمة الحكم الخطرة. وفي عام 2003 نجحت السلطات الألمانية، والإيطالية، والبريطانية، والأميركية في مصادرة معدات نووية كانت في طريقها إلى طرابلس، الأمر الذي أدى إلى القرار الذي اتخذته ليبيا بفتح مستودعات الأسلحة لديها أمام المفتشين.


         يشارك أفراد من كافة دول منظمة حلف شمال الأطلنطي في الخدمة في قوة مساعدة الأمن الدولية في أفغانستان، والتي تغيرت قيادتها مؤخراً من جنرال فرنسي إلى جنرال تركي. أما ليتوانيا وهي واحدة من أحدث أعضاء الحلف، فإنها تتولى قيادة فريق إعادة التعمير الإقليمي ـ حيث تنضم بذلك إلى دول أوروبية أخرى في الإسهام في الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في أفغانستان ووضعه على طريق التقدم.


         والحقيقة أن أكثر من نصف الدول الأعضاء بمنظمة حلف شمال الأطلنطي كانت لها قوات في كل من أفغانستان والعراق. وبينما يخطو الشعب العراقي المزيد من الخطوات على الطريق العسير نحو الديمقراطية، فقد وافق المزيد من أعضاء الحلف على المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية من خلال تقديم التمويل أو توفير المعدات، وعن طريق إنشاء كلية حربية وأكاديميات عسكرية في العراق.


        تشترك دول منظمة حلف شمال الأطلنطي فيما هو أكثر من مجرد تحالف؛ فنحن نستمد الوحدة من روابط الدم، والأهداف المشتركة، وتراث الحرية، والدعوة إلى مواجهة عنف المتطرفين ـ وإيقاع الهزيمة بهم.


         خلال الستين عاماً التي مرت منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كان كل منا يعتمد على الآخر في أوقات الخطر والتحدي. وبحكم تقدمي في السن فقد شهدت قيام سور برلين كما شهدت سقوطه، وعاصرت صعود وانهيار النازية، والفاشستية، والشيوعية السوفييتية. لقد ساعد أعضاء منظمة حلف شمال الأطلنطي بفضل التعاون المشترك بينهم في حماية كوسوفو، كما تمكنوا مؤخراً من تقديم المساعدة إلى ضحايا زلزال تسونامي المدمر. وهذا يعني أن مجتمع الأطلنطي يستطيع أن يحقق العظيم من الإنجازات حين يكون متحداً مترابطاً.


          لكن هذه الوحدة لا تعني بالضرورة التطابق في التكتيكات ووجهات النظر، بل إنها تعني وحدة الهدف. وإن هؤلاء الذين يدركون قيمة الأنظمة السياسية الحرة والأنظمة الاقتصادية الحرة يتقاسمون آمالاً متشابهة. وبالعمل المشترك نستطيع أن نحول هذه الآمال إلى حقيقة واقعة لصالح المزيد من شعوب العالم.


وزير الدفاع لدى الولايات المتحدة.
 خاص بالغد، حقوق النشرلـ "بروجيكت سنديكيت" 2005.
 www.project-syndicate.org
 

التعليق