هناك نار بين رماد الانفجار

تم نشره في الأحد 20 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

       مباشرة، وبعد عملية اغتيال الحريري خرج السيد سكوت ماكليلان الناطق الرسمي باسم البيت الابيض ليعلن على الملاء سياسة حكومته تجاه الحادث، فقال : (ان حكومة الولايات المتحدة تناقش مع اعضاء مجلس الامن الاجراءات الواجب اتخاذها لمعاقبة المسؤولين عن الهجوم الارهابي ووقف العنف والاستفزازات ضد الشعب اللبناني واعادة استقلال لبنان وسيادته وتطهيره من الاحتلال الاجنبي).
الاحتلال الاجنبي؟ انه يقصد السوري بالطبع، فكأن الولايات المتحدة قررت هنا من المسؤول عن عملية الاغتيال، وكيف تجب معاقبته، وكانت على استعداد منذ وقت طويل لتنفيذ سلسلة الاجراءات التي ذكرها الناطق باسم البيت الابيض.
     بدأت درجة حرارة  الشد بين الطرفين السوري والامريكي  بالتصاعد بعد احتلال العراق مباشرة، فكانت تصريحات الساسة الامريكان تجاه دمشق نارية خلال تلك الفترة حتى اعتقد الكثيرون  ان الجيش الامريكي سيدخل دمشق لامحالة، ثم خفت التصريحات قليلا بعد ان اغلقت سوريا حدودها وبنت حاجزا رمليا لمنع تسرب المقاتلين وكثفت من دوريات الحدود وحسنت من اتصالاتها مع الاجهزة الامنية الامريكية ، ولكن الامور لم تسر على مايرام ايضا.


      يخطئ من يظن ان للولايات المتحدة هيكلا امنيا واضحا ، فهي كغيرها من الدول الكبيرة تؤثر عوامل عدة على صناعة القرار بها وتوجيهه، فالاحزاب ومراكز الدراسات والجامعات والمنظمات السرية واللوبيات العرقية والاقتصادية والدينية والإعلامية  كلها تتداخل وتتصادم لتشكيل محاور ضغط. لا ينكر احد ان اللوبي اليهودي هو من اقوى عناصر التأثير على صناعة القرار في واشنطن، وذراعه الضاربة منظمة  ايباك لها من النفوذ ما يجعل اعداء الدولة العبرية يرتجفون رعبا او يتوارون عن الانظار خوفا من سطوتها وقوتها، ومع ذلك فقد اقتحمت قوات مسلحة من الشرطة الفدرالية مركز ايباك مرتين على الاقل خلال العام الماضي.


     تعتقد الكثير من دول العالم الثالث ان تعاونها مع بعض الاجهزة الامنية الامريكية  قد يحميها من الهجوم  ويضيف عليها صفة الدولة الصديقة ولكن هذا غير صحيح، فهناك دول عربية مقربة جدا من واشنطن تعرضت للضغط من وسائل الاعلام الامريكية الى درجة انها صنفت على انها عدو للشعب الامريكي مع ان علاقتها بالبيت الابيض ما تزال حميمية، وهناك دول ساندت الغزو الامريكي لافغانستان ولم تحصد سوى الحصرم المر والهجوم الكاسح من وسائل الاعلام الامريكية ذات النفوذ الواسع.


      بعد اغتيال الحريري انهالت التصريحات والمقالات المنددة بسوريا ونقلت الفضائيات بعض الشعارات التي تناقلها  المتظاهرون في شوارع بيروت، ولست أشك في أن دمشق تفاجأت بحجم الهجوم عليها كما تفاجأ كل من كان خارج دائرة الصراع السياسي اللبناني.


      والان، هل ستنسحب سوريا من لبنان؟ لا احد يعلم، فان انسحبت من سيضمن لها السلامة من حصار اقتصادي ينخر عظامها ويلقيها في نفس المستنقع الذي وقعت به بغداد؟ وان لم تنسحب فستبقى في نظر وسائل الاعلام الغربية والامريكية خاصة قوة محتلة يجب اخراجها ولو بقوة السلاح، والمسألة هنا بحاجة الى وقت حتى تعمل الالة الاعلامية بقوتها لتشويه دمشق ووصمها بكل سوء حتى يتقبل دافع الضرائب الامريكي خوض حرب اخرى في المنطقة.


لاتملك سوريا الكثير من الوقت لاتخاذ قرارات حاسمة ، ورصيدها الذي لايمكن ان تستغني عنه حاليا هو المواطن السوري البسيط الذي يجب كسبه لصف الحكومة ببعض الاصلاحات الاقتصادية والسياسية حتى يكون جزءا منها بدلا من ان يكون متفرجا عليها كما جرى الامر مع حكومة صدام التي تركها الشعب وحدها.


      لقد ذهب الحريري لربه، وأتمنى من كل قلبي ان يلقى القبض على الفاعل ليحاكم امام الجميع على ما جنت يداه، ولكن يجب ان لاينسينا ذلك ان المنطقة برمتها قد تكون على شفا جرف هار، تصبح معه المسألة العراقية جزءا من كل، وما يقال من كلام الان هو ذاته الذي عنى به الشاعر في قوله: وان الحرب اولها الكلام.
[email protected]

التعليق