انتفاضة أخرى ؟!!

تم نشره في الأحد 20 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    يحذر يوئيل ماركوس، الكاتب المعروف في جريدة هآرتس، من ملامح العنف السائدة في المجتمع الاسرائيلي على إثر قرار الحكومة الاسرائيلية إخلاء المستوطنات في قطاع غزة. فبالرغم من أن هناك أغلبية واضحة في الوسط اليهودي في إسرائيل تؤيد خطوات شارون القاضية بترك قطاع غزة، وبالرغم ان شارون ربح إنتخابات عام 2003 مستندا إلى برنامج الانفصال الاحادي، الا إن هناك أقلية اسرائيلية تعتقد بأن بإمكانها ثني عزم  الحكومة الاسرائيلية عن تنفيذ هذة الخطة وذلك عن طريق  توظيف العنف أو خلق إنطباع بأن تنفيذ الانسحاب والاخلاء لن يتم دون جعل رموز الحكومة الاسرائيلية يدفعون ثمنا باهظا. وقد لا يكون الثمن سياسيا فقط وانما حياة القائمين على خطة الانسحاب.


    سيادة أجواء العنف دفعت ماركوس للتساؤل المشروع فيما إذا كانت هناك فرصة لإطلاق انتفاضة ثالثة ولكن هذه المرة انتفاضة اليهود ضد اليهود. وقد سبق ماركوس الكثيرين ممن تحدثوا عن احتمالية وقوع حرب أهلية. قد يكون في ذلك نوع من المبالغة إذ لا يمكن أن نتصور أن اليمين المتدين سيتمادى في رفضة ويلجأ لشن حرب ضد الاغلبية وذلك لانه لا يوجد إمكانية لربحها. فتكتيك المستوطنين هو ما نسميه في العلاقات الدولية بالـ brinkmanship وذلك من خلال تسخين الاجواء وخلق أجواء المواجهة مع الحكومة الاسرائيلية على أمل أن تستجيب لمطالبهم دون اللجوء الى خوض معركة حقيقية. هكذا يفهم تهديد بنزي ليبرمان، رئيس مجلس الاستيطان المسمى باليشا، بإرسال الآف الشبان الى كتلة مستوطنات قطيف من أجل تعقيد الامور على الحكومة الاسرائيلية.


    تاريخيا لم تنجح محاولات المستوطنين في منع الحكومة من تنفيذ اخلاء المستوطنات. ففي سياق معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، تعهدت اسرائيل باخلاء المستوطنين من مستوطنة ياميت التي أمر ببنائها وزير الدفاع المشهور موشيه دايان في سيناء. ومن الطريف أن شارون، الذي كان وزير دفاع في حكومة بيغن الثانية، أشرف بنفسه على عملية اخلاء المستوطنين وبالقوة العسكرية.


    شارون، الأب الحقيقي لحركة الاستيطان، يدرك نقاط قوة وضعف المستوطنين. ففي دولة ديمقراطية يستطيع شارون أن يعتمد على الأغلبية الاسرائيلية التي تؤيد عملية الاخلاء. ويعتمد شارون حاليا على امتعاض الشارع الاسرائيلي من تكتيكات المستوطنين في توظيف العنف واغلاق الطرق واحراق الاطارات. لا يمكن أن تسمح الحكومة الاسرائيلية لهذة الفئة الخارجة عن القانون بالانتصار لأنه لو تم ذلك لشكّل سابقة خطيرة في العلاقة بين الاغلبية والاقلية في نظام ديمقراطي إثني.


    بصرف النظر عما سيجري في الساحة الاسرائيلية الا أن الراهن أن اسرائيل تمر في أزمة حقيقية. وليس من المبالغ فيه القول ان الذي ساهم في ايجاد هذا التناقض في اسرائيل وابرازه الى السطح هو العقلية الفلسطينية الجديدة في التعامل مع الصراع.  لا شك أن ابو مازن أبدع في التلاعب بالحكومة الاسرائيلية من خلال وقف الانتفاضة.


    يجب التحذير بأن على العرب أن لا يتصوروا ان الكيان الاسرائيلي سينتهي لمجرد وجود خلافات ذات طابع عنيف قد تفضي الى اغتيال بعض الشخصيات من ضمنها شارون.


   المطلوب فلسطينيا العمل على تعظيم مكاسبهم والتحالف مع القوى الاسرائيلية التي يمكن أن تكون نواة لتشكيل معسكر براغماتي في اسرائيل. ليس من قبيل الصدفة أن يورد شارون ولاول مرة مقارنة في كلمته في شرم الشيخ بين المتطرفين على الجانبين. علينا أن نفوّت الفرصة أمام متطرفي اسرائيل في كسب المعركة الداخلية في اسرائيل ليس حرصا منا على الديموقراطية الاسرائيلية بل على مصالحنا في التحرير.

التعليق