أزمة السياسة

تم نشره في الأحد 20 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

تواجه السياسة في معظم أنحاء العالم مراجعة مهمة في مفهومها، ودورها، ومضمونها، والثقة بها، ومن مظاهر ذلك تراجع دور الدولة، وضعف المشاركة الشعبية في السياسة والعمل العام، وتراجع الإقبال على الانتخابات وعضوية الأحزاب السياسية وهيمنة الإعلام، وتنامي أنشطة المؤسسات غير الحكومية، وبخاصة في مجالات لا تصنف بأنها سياسية كالبيئة، وحقوق الإنسان، والعمل الاجتماعي، وتبدو كثير من المجتمعات متجهة إلى إعادة تنظيم نفسها خارج الإطار السياسي.


وقد يكون هذا السلوك السلبي للأفراد والمجتمعات تعبيراً احتجاجياً على تخاذل السياسيين وتحولهم إلى محترفين وموظفين متحمسين لنظام عمل مريض، وليس عزوفاً حقيقياً عن السياسة أو المشاركة العامة، وفي الحالتين فإن العالم في اتجاهه نحو أنظمة حضارية واجتماعية واقتصادية جديدة لا بد أيضاً أن يتجه إلى أطر جديدة للسياسة.


وتشير أبحاث العلوم السياسية إلى تنامي وجود أزمة في السياسة، ووجود حذر لدى المواطنين تجاه النظام السياسي، وأن ثمة تدهورا سلبيا عاما لصورة العالم السياسي ورجال السياسة، وتدل الاستطلاعات التي أجريت بين طلاب المدارس الثانوية على ابتعاد عن السياسة وعدم اهتمام بها وشعور وحذر تجاه الأحزاب والنقابات.


تعرض لوسي بونيه مديرة المدرسة العليا للدراسات الإنسانية والاجتماعية في جامعة بيكاردي الفرنسية مقتطفات من مقابلات أجريت مع مئات الشباب في أثناء الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام 1995 تتجاوز في نتائجها عدم الاهتمام بالسياسة إلى خيبة الأمل والسخرية المرة.. وحتى إنكار السياسة.


فإجابات الشباب في فرنسا ترى عمل رجال السياسية مثل الاستعراض وعدم معرفة المشكلات الحقيقية وغياباً للصلة بالواقع، واستغفالاً للناس، وسعياً للربح والنفوذ.


ومن أكثر مظاهر أزمة السياسة في العالم هي الامتناع عن التصويت في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية والتي تتزايد في المجتمعات الديمقراطية إلى درجة تهدد الحياة السياسية والعامة في هذه الدول لأنها تفقد مؤسساتها الشرعية والمصداقية كما أن الفائزين في هذه الانتخابات إنما يمثلون أغلبية ضئيلة من الناخبين وأقلية في المجموع العام للمواطنين أو أعضاء المجتمع الانتخابي.
وربما تكون أكبر أزمة تواجهها "السياسة" تغير مفهوم ودور الدولة ونشوء وضع جديد يمكن تسميته بـ "أفول السيادة" وهذا عنوان كتاب لـ "ولتر ب. روستون" وعنوان الكتاب الأصلي "أفول السيادة: كيف تحول ثورة المعلومات عالمنا"، ويتساءل المؤلف عن مصير الدولة وعملها في المستقبل بعدما فقدت كثيراً من سلطتها المطلقة في العمل وحدها داخلياً مع مواطنيها وخارجياً مع أمم أخرى.
وتبدو الحكومات والدول وهي تقحم نفسها ومجتمعاتها في منظومة المعلوماتية والعولمة كأنها تسوق نفسها أيضاً نحو النهاية، وقد لا يكون لأحد خيار في ذلك، فالأمر مثل المنخفض الجوي لا يفيد تجاهه اعتراض أو إنكار، ولكن جميع الناس (ولا بد من ملاحظة كلمة جميع) لا بد أن يطلقوا أفكارهم وخيالهم في البحث عن مصير جديد تختلف فيه الموارد والعلاقات والبنى والمهارات.


وفي الأحداث والأزمات التي تنشأ في دول وأنحاء شتى من العالم يلاحظ اليوم أن وسائل الإعلام تهيمن على فهم مسار هذه الأحداث وتصوغ مواقف الناس، وأكثر مما تفعل الدول والمؤسسات الحكومية المعنية مباشرة بالحدث.


يقول الصحفي مايكل ادنيل "لقد اندمجت شبكات التلفزيون بالأزمات، وشاركت في تشكيل وإخراج مسرحياتها المتجلية للعيان، وأصبحت جزءاً منها، فأصبح الفعل والتغطية مجدولين معاً بحيث أصبح من الصعب تمييز أحدهما عن الآخر" ولم تعد الرقابة الحكومية على الرسائل الإعلامية أمراً مجدياً، بل إنها أصبحت ذكرى تاريخية تثير السخرية، ولم يعد للحكومات سلطة على المعلومات التي هي المورد الأول في العالم وأساس القوة والتفوق، حتى أنها صارت أهم بكثير مالياً وسياسياً من النفط، وصارت شركات الاتصال والمعلوماتية والإعلام "الإنفوميديا" أكثر مساساً بحياة الناس ومشكلاتهم. وتصوغ كل شيء تقريباً كما كانت الحكومات والدول تفعل حتى وقت قريب.


إلى أين يتجه الناس للحصول على حقوقهم وتكييف أوضاعهم؟ ومن هو عدوهم ومن هو صديقهم؟ من يناصرهم ومن يضطهدهم؟ كيف يرتبون علاقاتهم ومواردهم؟ .. أسئلة كثيرة جداً لم تعد الحكومات والدول قادرة على الإجابة عليها، ويبدو أنه لا أحد أو جهة قادر على التعامل معها ومعالجتها.


إن كلمة "Politic" و "Policy" التي تعني "السياسة" هي في أصلها عربية "بلد" أو سامية "بلت" و "بلس" وتعني إدارة شؤون البلد وتنميه وحمايته وتحقيق ما يحتاجه ومنها أيضاً "Police" أي الشرطة أو البوليس (وقد تكون كلمة بوليس أكثر عروبة وأقوى تعبيراً من الشرطة).


ومن ثم فإن علم السياسة وممارستها يواجه السؤال الأول والأساسي الذي يبرر وجود هذا العلم وأهم مؤسسة في حياة الناس ومصائرهم (الدولة) والأمر يفترض ألا يكون مفاجئاً أو غريباً فانهيار الاتحاد السوفياتي والماركسية جعل منظومة الفلسفة والاقتصاد والفكر والسياسة والتغيير القائمة على الماركسية وما يصحبها من مكتبة هائلة (ورائعة) شيئاً لا يصلح للاستخدام برغم جاذبيته وروعته في كثير من الأحيان، حتى أن جميع أو معظم المساقات الجامعية والأكاديمية تعرض اليوم هذا الجزء من الفكر والتجارب وكأنه شيء من الماضي السحيق الذي يذكر عرضاً أو للدراسة التاريخية (مثل نقوش حجر رشيد).


ليس ثمة إجابة واضحة إلى أين تتجه المجتمعات والدول والحكومات، ولكن من المؤكد أن حيرة كبيرة تسيطر على الناس والمؤسسات في البحث عن صيغ جديدة للعلاقات والحكم والإدارة، وقد لا تكون هذه الصيغ قد أخذت وضعاً نهائياً مستقراً، وإذا كانت الدولة قد نشأت في العصر الحديث لتحقق للناس السعادة والانتماء فإن ما يحكم الناس في بحثهم عن البديل أو التطوير هو الأهداف نفسها التي عجزت السياسة عن تحقيقها.

التعليق