الأحزاب الوسطية وانتظار حصان طروادة

تم نشره في السبت 19 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً


  الوسطية الحزبية أو الأحزاب الوسطية كما يشاء أصحابها ان يسمونها، هي تجربة حديثة في الحياة السياسية في الدولة الأردنية، تسعى لكي تكون طرفاً، او تياراً يشغل دوراً كبيراً في تشكيلات المجمع السياسي الأردني، الذي يُناضل دونما نجاحات مهمة ليفرض حضوره بعد طول غياب، وقد يكون من المبكر حقاً الحكم على هذه الأحزاب سلباً او إيجاباً وفق المعايير المعتادة في الدول ذات التقاليد الديمقراطية الراسخة، التي تقيس مدى نجاح او فشل اية تجربة حزبية تعمل في ظل نظام سياسي وانتخابي مستقر.

  ومنذ صدور قانون الأحزاب في الأردن، الذي منح الأحزاب فرصة معاودة نشاطها, فقد كان متوقعاً ان التوق الذي تعيشه القوى الاجتماعية المختلفة سوف ينعكس للتو في الساحة الوطنية، وما حصل في الحقيقة هو ان دائرة الأحزاب الأردنية قد توسعت وتجاوزت الثلاثين حزباً سياسياً موزعين على تيارات مختلفة ومتباينة في المنطلقات والبرامج والأهداف، بعضها تمثل امتداداً لأحزاب عقائدية بقيت محرومة من ممارسة نشاطها العلني مثل القوميين والماركسيين واتجاه اليسار عموماً، وبعضها الآخر كان يُمارس السياسة تحت يافطة جمعية اجتماعية خيرية، وهي جماعة الإخوان المسلمون، الذين بلوروا لأسباب براغماتية معينة تنظيمهم السياسي من خلال حزب جبهة العمل الإسلامي. والبعض الاخير وهو الجديد على العمل الحزبي والنشاط السياسي العام يُصنف نفسه ضمن ما يسميه بالأحزاب الوطنية، وهي تسمية مُعترض عليها من قبل الكثيرين في مجال العمل السياسي، كونها تعرّف نفسها على أساس تمييزي في مسألة الولاء للقضايا الوطنية. ويعتبر رواد هذا الشكل من الحزبية أنفسهم ممثلين لتيار الوسط، أي التيار الوطني العريض. وبعضهم يدّعي انه ممثل للأغلبية الوطنية الصامتة ليدلل على قوة حضوره في الحياة العامة، وهي قوة مفترضة في كل الأحوال، ولا تقتصر على هذا التيار وانما على مجمل الحياة الحزبية الأردنية التي تعاني من ضعف وقصور قد يكون في اغلبه ذاتي.

  رفع الوسطيون شعاراً واضحاً ينم عن النزعة الوطنية الخاصة التي تميزهم عن غيرهم من الأحزاب المطعون في ايديولوجيتها وتوجهاتها، وقدّم هؤلاء أنفسهم بوصفهم المعبر الحقيقي عن الفكر الوسطي في التعاطي مع القضايا الوطنية الخاصة. ولكن من زاوية نقدية لم تكن أفكار هذا اللون الحزبي تعكس تجانساً كبيراً على الرغم من تأكيده بأنه يتبنى منهجاً واقعياً معتدلاً في القضايا الوطنية والقومية، وكذلك حول الموقف من عملية السلام التي تزامنت مع بدء مسيرة هذه الأحزاب، فضلاً عن السياسات الحكومية المتلاحقة حول عملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتوجه الكلي للدولة نحو الرأسمالية الحرّة واقتصاد السوق.

  ما يعنينا ابتداءً هو ان هذه الأحزاب الوسطية ولدت وفي أحشائها مشكلاتها الخاصة بها التي ترجح مسألة إخفاقها او فشلها. وهي مشكلات توجد في بنية وهوية وبرامج هذه الأحزاب، فهي اعتمدت أولاً في انتشارها على رافعة النفوذ الشخصي لبعض مؤسسيها، وهم في الغالب من رجالات الحكم السابقين في الوظائف الإدارية والتنفيذية العليا. وبالتالي فان عملية المدّ والشعبية المؤقتة التي حصدتها هذه الأحزاب كانت كاذبة او مضللة، لجهة اعتمادها مقياساً لنمو المجتمع السياسي في الأردن وانطلاق مسيرة حزبية غنية وواعدة، فالناشطين الحزبيين, وهم في اغلبهم حديثو او طارئو العمل الحزبي, سارعوا الى الانخراط بها بإعداد كبيرة في لحظة ما. لأنهم اعتقدوا ان الحزب الذي تقوده شخصية عامة تأتي من صلب مؤسسة الدولة والسلطة سيكون هو على الأرجح الحزب الذي سيقبع قريباً في السلطة التنفيذية، ولذلك فقد فشل هؤلاء الحزبيون حتى الآن في صياغة تجربة بناء أحزاب وسطية، بمعنى الكلمة، تعتمد المؤسسية والبرامج القوية، أكثر مما تعتمد على الفردية والشخصية القادمة من رحم السلطة.

  المعضلة الثانية التي تعانيها الأحزاب الوسطية هي عدم قدرتها او بالاحرى عدم رغبتها في تحديد هويتها الاجتماعية بشكل واضح في معادلة المجتمع الأردني، وتفضيلها مبدأ التعويم الوطني او السياسي، فهي من جهة تنفي كونها أحزاباً عقائدية او ايدلوجية، وهذا صحيح الى حد كبير، ومن جهة ثانية تحاول ان تطرح ليبرالية خجولة مقيدة ومشدودة الى ثقل رمزي مبني على قاعدة عشائرية، بمعنى انها لا تقدم نفسها في سياق المجتمع المدني، مُفضلة البقاء في سياق المجتمع الأهلي، اعتقاداً منها ان هذا سوف يُكسبها شعبية سريعة وطاغية تمكنها من التفوق على الخطاب الحزبي القومي او اليساري عموماً، وبالتالي فان فهمها للوسطية ليس فهماً سياسياً يتجلى في برامج سياسية اجتماعية اقتصادية، انما هي تتبنى في أدبياتها الإنشائية خطاباً اقرب ما يكون الى التثقيف السياسي، بينما هي في سلوكها العام تتعامل مع القضايا الوطنية المحورية بأسلوب انتقائي، لا يكلفها غضب السلطة التي تفضل ان تكون قريبة من سياساتها وتوجهاتها العامة.

  يجب ان نفرق دائماً بين الوسطية كمفهوم فكري وسياسي واجتماعي, وبين الوسطية كشعار سياسي، ما زالت أحزابنا الوسطية تنتظر منه ان يكون حصان طروادة الى عملية إعادة إنتاج الذات واستنساخها مرة أخرى في الوصول الى الحكم والسلطة ومواقع القرار برافعة حزبية هذه المرّة.

  وفي كل الأحوال, فان هذا التيار الواسع بعدد أحزابه التي تجاوزت العشرين حزباً ما يزال بعيداً عن تأطير او بلورة برامج وطنية متكاملة تعبّر عن تطلعات الأغلبية الصامتة التي يدّعي تمثيلها، كما انه لا يقترب من مرحلة إعلان وطني واضح حول قضايا هامة ومحورية، كبرامج التخاصية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والتصّدي للفساد والفقر والعدالة الاجتماعية، او موقفه من الدور الجوهري للدولة، الاجتماعي والاقتصادي في عملية التنمية، بل ان هناك من يعتقد ان هذه الأحزاب تشتق برامجها ومواقفها من برامج ومواقف الحكومات، وبالتالي فان عليها ان لا تتوقع ان يتوجه المواطن اليها، مُفضلاً التوجه مباشرة الى الحكومات بدلاً منها.

التعليق