الإسلام تحت الحصار!

تم نشره في الخميس 17 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 يقدم أكبر أحمد الدبلوماسي الباكستاني السابق وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة واشنطن في كتابه "الإسلام تحت الحصار" مقاربة جديدة لفهم منهج ابن خلدون في علم الاجتماع لاستيعاب الحالة الإسلامية الجديدة، وموجة العنف والتطرف المنتسب إلى الإسلام وموجة الكراهية للإسلام والمسلمين في الغرب.


ويرى أنه إذا كان باستطاعتنا أن نمنع العالم من الانزلاق من أزمة إلى أزمة والانتقال من منطقة اشتعال إلى أخرى فنحن جميعا مسؤولون على إعادة التفكير بصورة جذرية في العلاقة بين ديننا والأديان الأخرى والقيام بتقدير أصيل جديد لكل دين في إطار التعايش ما بين هذه الأديان لأجل المصلحة العامة وإصلاح ما يمكن إصلاحه بلا عصبية، فلا يتم ذلك إلا بفهم صحيح للإسلام، وبخاصة أن العالم الإسلامي في قفص الاتهام بالزعم أنه المسؤول عن الظواهر السلبية التي اجتاحت معظم دول العالم (الإرهاب).


وتفادي وقوع العالم في الإنزلاق لا يتحقق ما لم يكن هناك التزام بالحوار والتفاهم، بعيدا عن العصبية، فعدم إعطاء فرصة للحوار والأخذ والعطاء مع الآخر يؤدي إلى انخفاض مستوى التقدم، ولن يكون هناك أمل في القضاء على العصبية المفرطة، إن التفاهم لن يتأتى من دون تقدير لعمق الشعور بغياب العدل والعلم والإحسان في العالم الإسلامي خاصة دون غيره باعتباره رمز مكارم الأخلاق. إن المساعدة في خلق النموذج الإسلامي الحقيقي تكون على ذلك هدفا أساسيا للجميع، مسلمين وغير مسلمين الذين يريدون الوصول الى التوافق و السلام العالميين.


 وفي الحديث عن الأولوية عند العالم الإسلامي في المستقبل، وكيف يمكن للغرب أن يقدم أفضل المساعدة، فإننا نقول أن الخطأ الذي يقع فيه العالم الإسلامي غالبا هو عدم توقفه عن تمثيل الغير بالعدو أو الخطر المحدق في أي لحظة بدون مناسبة تدعو إلى ذلك في أغلب الأحيان، فيجب على المسلمين أن يتوقفوا عن تصور أن المؤامرة العالمية تحيط بهم من كل جانب، وإن قلنا أن هناك مؤامرة فهي ليست بالقدر والخطورة التي يتصورونها، وما يمكن قوله ههنا هو أن عجزهم عن التغيير والتغير وعدم الفهم الحقيقي للاسلام والتقيد بمراميه تجد لها مبرراتها في هذا الوهم الخطير الذي يبرر بدروه أحيانا تصرفات بعض المسلمين ولا نقل الكل، مما أساء لسمعة الإسلام ولجميع المسلمين من قريب أو من بعيد.


إن العالم الإسلامي بحاجة إلى تطبيق الديمقراطية وضمان نجاحها، وإن كانت الممارسة الديمقراطية مخيبة للآمال ليست في العالم الإسلامي فحسب بل حتى في الدول الأخرى التي يعتقد أنها مضرب المثل في الديمقراطية النظرية، فالديمقراطية عمليا هي قرينة الفساد وسوء الإدارة، ولكن للأسف لا بديل لها في النهاية، لنقل إنها النظام الوحيد الذي يسمح بإزاحة الفاسدين مع أقل قدر من الاحتكاك وبمستوى نسبي.


فالأهم من اعتماد ديمقراطية غير مضمونة في النهاية، لا من حيث وجودها ولا من حيث تطبيقها نحن في حاجة إلى بناء جديد لتصور الإسلام يشمل العدل والاستقامة و التسامح وطلب العلم، وهي تمثل الحضارة الإسلامية الكلاسيكية، لا مجرد التمسك بالشعائر، ولا مجرد قواعد الإسلام الخمسة ولكنها بناء كامل.
إنه من المؤسف أن تختزل حضارة راقية وتحدد وتحصر بجعلها تتحول إلى شعائر بسيطة، مما يفسح مجالا للإستجابات البسيطة من قبيل البنادق والمتفجرات مثلا، فالتقوى والفضيلة اليوم يتحكم فيهما العمل السياسي، وهو غالبا ما يساوي العنف، وهذا ما يتنافى مع الإستقامة الأخلاقية أو الروحانية، فبدون استقامة أخلاقية وعدم استجابة للعمل السياسي لا يكون هناك حوار حتى بين فئات الدين الواحد، فما بالك بالحوار بين مختلف الفئات من مختلف الأديان والشعوب، وبالتالي وفي حالة توفر مناخ للحوار الواسع يكون الغرب في حاجة إلى الاستجابة للعالم الاسلامي بفهم الإسلام أولا ثم الإستماع الى ما يقوله المسلمون، هنا فقط يمكن تفادي الأضرار بإبعاد كل ما من شأنه تحميل الإسلام مسؤولية ما يقع في العالم اليوم، وعندئذ فقط يمكن أن تتضح صورة الرغبة العامة في تقديم العون للعالم الاسلامي مع شيء من الصبر والفهم.


إن الغرب يحتاج الى التخفيف من رد الفعل العصبي المتوفر تجاه المسلمين والكف عن اعتبار أي مسلم من الأصوليين بالمفهوم العالمي الجديد (مع العلم أن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة لا يدعو للخوف)، ومن جهة ثانية يتوجب على الغرب أن يتعلم كيف يكبح ويتحكم في اتجاهاته نحو الهلع من الإسلام أولا ومن المسلمين، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول التي أصبحت وكأنها تدفع العالم نحو فكرة صدام الحضارات، غير أنها في نفس الوقت حملت دعوة ملحة للحوار، والبحث عن التوازن الداخلي بين الحاجات والتقاليد في المجتمعات المحلية، وبين عالم تتزايد فيه السيطرة من جانب الشركات الدولية والهموم السياسية، كذلك يتوجب على العالم الغربي والعالم الإسلامي على حد السواء الإلتزام بالبحث عن حلول عالمية للمشكلات الدولية الشائعة والتي تواجه المجتمع الإنساني والسعي في سبيل نظام عادل رحيم يدعو للسلام الإنساني العالمي بكل موضوعية وبعيدا عن أي نوع من العصبية في سبيل المصلحة العامة.

التعليق