منازل الأرجوان: الشهداء القادة في الإسلام

تم نشره في الثلاثاء 15 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

      يقدم الدكتور خالد الكركي كتابه هذا في سياق جهود الفكرية الداعمة لثقافة المقاومة والدفاع عنها في مواجهة ثقافة الاستخذاء، ويوجه كتابه هذا تحية للشهداء ولدمهم الأرجوان وراياتهم العالية وإلى اللواء الذي ظل خفاقا من زمن بدر وأحد إلى أن وطئت خيل الله بسنابكها ثرى الدنيا كلها، وأضاءت بالرسالة عتم العالم القديم الظالم، وأعلنت انتصار التوحيد والحق والعدل. والدكتور الكركي يقر بأن مجال الدراسة واسع وأن أفواج شهداء الأمة لا يتناهون في الحصر، لذلك فهو يوجه جهده إلى الصف الأول من الشهداء أهل "الخلق الوعر"، ويؤكد بأنه لا يبحث عن القادة الشهداء بالمفهوم "الرسمي" للقتال العسكري وحسب، بل يضيف إليهم قادة ثورات التحرر الشعبي، والعمل الفدائي، والفتية الذين وجدوا أنفسهم في فئة قليلة، لكنهم شكلوا من أرواحهم قادة ومقاتلين وقضوا على دروب النصر أو الشهادة، والغاية هنا هي تقديم نماذج للمقاتلين في سبيل الله مقبلين غير مدبرين.


        ويذهب الدكتور الكركي إلى توضيح معالم مشروعه الفكري في دعم ثقافة المقاومة، إذ يؤكد بأن من مسؤوليات المثقف العربي والمسلم المعاصر أن يضيء الجوانب المشرقة من ثقافة المقاومة على مدى تاريخ الأمة كلها، وإخراج الناس من حيرتهم إلى دروب النور والمقاومة، فما زال على الأمة عبء تجاوز أزماتها مع الاستبداد والاستعمار معا. وروح الشهادة هي الطريق إلى ثقافة المقاومة، حتى لا تظل المعرفة الإسلامية أسيرة في حالة من الجمود. والشهادة صحوة الروح على قدسية الجهاد في سبيل الله، ومن هنا يأتي واجب القراءة في دفاتر الشهداء كي نضيء الحاضر ونستشرف المستقبل، ولا نستعيد رؤاهم ومصارعهم على صورة الرحيل في الماضي، بل ندعو، ونحن نسعى نحو أضرحتهم إلى نهضة الأمة على قواعد العلم والتسامح والشورى والجهاد، فما يزال في هذا العالم فقر وقهر واستعمار واستلاب، وأمتنا في موضع المحنة والاتهام والتشظي، لذلك تعزز صورة المرحلة ضرورة القراءة الجديدة لصور الجهاد العظيم من أول صبر آل ياسر إلى صبر أهل فلسطين .


صور من زمان عظيم ومن زمان قريب


      يقدم الدكتور خالد محاولة رائعة لقراءة "روح" الشهادة ولحظاتها الخالدات من خلال الساعات الفاصلة التي اتخذ فيها الشهداء قراراتهم الخالدة بالمواجهة مع اثنين هما: العدو ورهبة الموت، حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، ومن أجل المستضعفين الذين يستبد بهم الطغاة، ومن أجل الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. فيقف في حضرة جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وقبلهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ومن بعدهم بين يدي عبد الرحمن الغافقي ومحمد بن حميد الطائي، ونور الدين زنكي، وعز الدين عيسى ابن مالك، وسليمان الحلبي، وعبد القادر الجزائري والإمام شامل، ويوسف العظمة، وعبد الكريم الخطابي، وعز الدين القسام، وسعيد العاصي، ومحمد الحنيطي، وعبد القادر الحسيني، وعبد المنعم رياض، وآلاف آخرين من الشهداء والقادة.


فلسفة الشهادة


    يقف الأستاذ الكركي أمام السؤال الصعب الذي يظل قائما، وهو تلك اللحظة الخالدة التي يقدم القائد / المقاتل شروط مواجهته للعدو، وأولها تقديمه للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته على أي شروط ورغبات تحملها النفس البشرية، والنفس عزيزة على صاحبها، كما هي الحياة والأهل والأبناء، والذي يراه هو قريبا نسميه المستقبل (في الزمان الذي نعيش فيه) ويرى في مقابل ذلك كله مستقبلا آخر نراه بعيدا، ونحن نرى أنفسنا في مواجهة الموت العادي اليومي ونحس ببرودة القبر، ووحشة الظلام، بينما هو يرى الموت عبورا إلى رحلته القادمة ببهجتها، وبوجوهها التي منحها الله سبحانه وتعالى لمن يقاتل في سبيله إنه حي يرزق في الجنة، وأنه مسرور بما أتاه الله من فضله على جهاده، هذا هو السر العظيم الذي يأخذ بيد الشهداء إلى الحياة الجديدة، إنه التجرد من كل مجد شخصي أو عائلي أو مادي، وإنه القدرة على "التجاوز في سبيل إعلاء كلمة الله" وهي قدرة تكون حين يستحكم الإيمان، ويصير الدفاع عن الحق غاية، والقتال في سبيل الله هدفا، وتكتمل به صورة شخصية المسلم القرآني (الشهيد المقبل) جنديا كان أو قائدا أو مواطنا بسيطا، . . . إنه تجاوز الخوف البشري من الموت مقابل وعد إلهي بالجنة، في ظل هذه الرؤية للقتال يتحول الموت إلى موعد مع الحياة، إن الشهادة فعل فيه قدر من الاختيار حتى ينتصر الحق، وبعد النصر والشهادة جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.


نهر الشهادة العظيم

 
 إن فكرة الأمة الإسلامية الواحدة واضحة كل الوضوح في فكر الدكتور الكركي، وفي عرضه لتدفق نهر الشهادة العظيم عبر زمان الأمة ومكانها، فزمان الأمة زمان واحد ممتد من إشراقات الدعوة وإشراقات الشهادة في بدر وأحد وشهداء مؤتة (الجعفريين)، وشهداء حروب الردة، إلى زمان الفتح الأول في القادسية واليرموك ونهاوند وكربلاء، وفتوح الأندلس وصقلية، إلى زمان الفتح الثاني في ملاذكرد ومقاومة الصليبيين، والدفاع عن غرناطة الحصن الأخير، وصور من زمان قريب في مقاومة الاستعمار الأوروبي الحديث والهجمة الصهيونية المعاصرة (أليس الفتية الذين يعيدون صياغة زماننا بالشهادة من ذلك الجذر العظيم . . !)، ولا فواصل شعوبية بين ساحات الأمة الواحدة فهي ساحات ممتدة لروح الأمة الواحدة في المشرق والمغرب، لا حدود ولا قطريات ولا عصبيات ولا عرقيات، فشلال دم الشهادة يجري في أرض الأمة بلا معيق، يختلط ويندمج فيه الدم العربي والتركي والقوقازي . . إلخ ويتدفق ليشكل نهر الشهادة العظيم.


شرعية المقاومة والاستشهاد


      ويعالج الدكتور الكركي مسألة الخوض في جدل عقيم حول شرعية المقاومة والاستشهاد، ويأخذ ومن موقع المثقف الملتزم بالأمة موقفا واضحا في المسألة (إن مصطلح "الاستشهاديين" يبدو ذا صلة "بالفرد" الذي يختار في لحظة انحسار الجهاد والجيوش المقاتلة أن ينقش على صفحات التاريخ حالات نادرة من المواجهة، تتجاوز مصطلحات "البطولة" و "التضحية" و "الفداء"، وتقف عند الحد الفاصل بين أمة تراه شهيدا، وعدو يراه منتحرا؛ بين الوقوف في صف "المقاومة" المشروعة كما يراه التاريخ المنصف، وبين "الإرهاب" الذي يسمه به إرهابيو هذا الزمان من صهاينة ومستعمرين وخائفين) ويمضي الدكتور الكركي لحسم المسألة: (إن المقاومة العربية ضد الاستعمار . . جهاد مشروع، ولا تنفي شرعية المقاومة الروسية والفرنسية ضد النازيين، والمقاومة الفيتنامية ضد الأميركيين، وأشد الأمم شرا هي التي تتردد في خوض حرب مشروعة . . حتى لو تفوق العدو). 
[email protected].

التعليق